تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

============================================================ لا يستطيع عبد أن يشكره على نعمه إلا بنعمة منه، ويؤدي ذلك إلى ما لا يتناهن، فسبحان صاحب النعم وفرقة من الخائفين أيضا زهدوا في الحرام ؛ خوفا من حلول النقمة، وهاذا لا يسمى زاهدا، فإن فغل الواجبات لا يوصف فاعله بالزهد .

ومنهم (1) : من زهد في كل شبهة، وهذذا أقرب إلى الزهد بالنسبة إلى ما قبله .

وأما المتوكلون : فتركوا الاضطراب فيما قد تكفل لهم به رب الأرباب سبحانه وتعالى من المعاش؛ لقوة تصديقهم بوفاء الضامن سبحانه وتعالى وأما المحبون : فللعلماء فيهم ثلاثة أقوال : منهم من قال : زهد المحب في الدنيا كلها؛ لقلتها وحقارتها في نفسه، ولأنها بغيضة الله من خلقه ومنهم من قال : زهد المحب في الجنة دون الدنيا خوفا من أن يقول له الله عز وجل : يا عبدي؛ أي شيء تركت لي؟ فيقول : تركت لك الدنيا، فيقول تبارك وتعالى : وما قدر الدنيا؟ وهل كنت تملك منها شينا؟ فيقول العبد : يا رب؛ قدرها جناح بعوضة، فعند ذلك يلحقه من الحياء الشديد من الله عز وجل ما يمنعه آن يقول : تركت ما قدره جناح بعوضة، وللكن يا رب؛ أنت تعلم أني لم أعبدك شوقا إلى الجنة ولا خوفا من النار، إنما عبدتك لابتغاء مرضاتك جل جلالك، فلك المنة أولا وآخرا، وأنت تعلم أني لا أريد إلا ابتغاء رضوانك، فهذا زهد محب صادق زهد في الدنيا والآخرة.

ومنهم من قال - وهو أضعفها- : المحب الصادق : هو الذي يزهد في ابتداء أمره في الاخوان الذين يشغلونه عن الله عز وجل، فقد زهد فيهم؛ لعلمه بما يلحقه من الافات عند مشاهدتهم وسئل الحارث رحمه الله : لم كان الزهد مطلوبا؟ فقال لخمسة أمور : الأول : أن الدنيا مفتنة مشغلة للقلوب عن الله عز وجل: والثاني : تتقص غدا من درجات من ركن إليها، فلا يحصل له من الدرجات كمن زهد فيها.

(1) وهم الورعون

مجمع الأحباب وتذكرة أولي الألباب · الجزء ٣ · الصفحة ٩٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجمع الأحباب وتذكرة أولي الألبابج ٣ · ص ٩٦