============================================================ ومنهم الإمام : أبو عبد الله الحارث بن أسد المحاسبي رضي الله عنه قال الحافظ - رحمه الله - : قال الجنيد رحمه الله : كان الحارث المحاسبي يجيء الى منزلي، فيقول لي : اخرج معي الى الصحراء، فأقول له : تخرجني من عزلتي وأنسي الى الطرقات والافات ورؤية الشهوات، فيقول اخرج معي لا خوف عليك، فأخرج معه، فكان الطريق فارغا من كل شيء ، لا نرى شيئا نكرهه، فإذا وصلنا إلى الموضع الذي يريد أن نجلس فيه.. يقول لي: سلني، فأقول له : ما عندي سؤال أسأله، فيقول لي: سلني عما يقع في نفسك، فتشال (1) علي السؤالات، فأسآله عنها، فيجيبني عنها للوقت، ثم يمضي الى منزله، فيعملها كتبا .
وقال الجنيد : كنت كثيرا أقول للحارث : عزلتي أنسي، وتخرجني الى وحشة رؤية الناس والطرقات ؟! فيقول لي : كم تقول أنسي وعزلتي ؟1 لو أن نصف الخلق تقربوا مني:: ما وجدت بهم أنسا، ولو أن النصف الآخرنأى عني. . ما استوحشت لبعدهم : وقال الجنيد : كان الحارث كثير الفاقة، فاجتاز بي يوما وأنا جالس على بابنا، فرأيت في وجهه أثر الجوع، فقلت له : ياعم؛ لو دخلت إلينا اكلت شيئأ، فتسرني بذلك وتبرني، فقال : نعم، فدخلت بين يديه، فلما دخل.. عمدت إلى بيت عمي- وكان أوسع من بيتنا لا يخلو من أطعمة - فجئت بشيء من الطعام، فوضعته بين يديه، فمد يده وأخذ لقمة، فرفعها إلى فيه، فرأيته يلوكها ولا يزدردها(2)، ثم وثب وخرج وما كلمني، فلما كان من الغد.. لقيته، فقلت : ياعم؛ سررتني، ثم نغصت علي، فقال: يا بني؛ أما الفاقة : فكانت شديدة، وقد اجتهدت في أن أنال من الطعام الذي قدمته إلي شيئأ فلم أقدر؛ فإنه بيني وبين الله عز وجل علامة إذا لم يكن الطعام عند الله سبحانه وتعالى مرضيا.. ارتفع (1) تشال : تتابع وتنصب.
(2) يزدردها : يلمها