تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

============================================================ ويتنغص عليه عيشه، ويتعذر عليه اكله ونومه، وينقسم عليه فكره، حتى لا ينتفع به أهله وولده، وقد ينزعج عن الوطن، فيستبدل بالأنس الوحشة، وبالراحة التعب والمشقة والتعرض للأخطار، كل ذلك خوفا من درك المحذور، ثم إنه يخاف النار ولا يظهر عليه شيء من ذلك عند جريان المعصية عليه ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: "لم أر مثل النار نام هاربها، ولا مثل الجنة نام طالبها(1).

والتحقيق في هلذه الأمور عزيز جدا، ولا غاية لهذذه المقامات حتى ينال تمامها، ولكن لكل عبد منه حظ بحسب حاله، إما ضعيف وإما قوي، فإذا قوي. سمي صادقا فيه فان معرفة الله عز وجل وتعظيمه والخوف منه لا نهاية لها ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لجبريل عليه السلام : " أحب أن أراك في صورتك التي هي صورتك" ، فقال : لا تطيق ذلك، فقال : "بلي آرني" ، فواعده البقيع في ليلة مقمرة، فأتاه، فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إليه؛ فإذا هو قد سد الأفق- يعني: جوانب السماء - فوقع النبي صلى الله عليه وسلم مغشيا عليه، فأفاق صلى الله عليه وسلم وقد عاد جبريل إلى صورته الأولى ، فقال صلى الله عليه وسلم : " ما ظننت أن أحدا من خلق الله تعالى هلكذا" ، فقال : كيف لو رأيت إسرافيل ؟! إن العرش لعلى كاهله، وإن رجليه قد مرقتا(2) من تخوم(3) الأرض، وإنه ليتضاءل من عظمة الله سبحانه وتعالى حتى يصير كالوصع؛ يعني : كالعصفور الصغير(4).

فانظر ما الذي يغشاه من العظمة والهيبة حتى يرجع الى ذلك، وسائر الملائكة ليسوا كذلك ؛ لتفاوتهم في المعرفة، فهذا هو الصدق في التعظيم : وقال جابر رضي الله عنه : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " مررت ليلة أسري بي وجبريل بالملأ الأعلى كالحلس البالي من خشية الله تعالى "(5) يعني : الكساء الذي يلقى على ظهر البعير (1) أخرجه الترمذي (2601).

(2) مرق : خرج من الجانب الآخر.

3) نوم: حدود.

4) اخرج الحديث ابن المبارك في والزهد* (221) .

(5) اخرجه بنحوه الطبراني في "الأوسط "(14/5)

مجمع الأحباب وتذكرة أولي الألباب · الجزء ٣ · الصفحة ٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجمع الأحباب وتذكرة أولي الألبابج ٣ · ص ٨٢