تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

============================================================ لما وصله أيضا خبر وفاة تقي الدين. . لم يظهر عليه شيء من ذلك.

وكان - رحمه الله - يركب وهو في مقابلة الفرنج جريدة على الرملة وفي كل ليلة تقع الصيحة، فيقلع الخيام، ويقف الناس على الجبل إلى الصباح، وييننا وبين العدو شوط فرس لا غير، وهو مع ذلك صابر ثابت.

وكان شديد المحبة لأولاده، لا سيما الصغار منهم، وهو مع ذلك صابر على مفارقتهم، راض ببعدهم، صابر على ثر العيش وخشونته مع القدرة التامة هذا هو الزهد كما قال داوود الطائي رحمه الله : إنما الزاهد من قدر فزهد .

وكان من عادته أنه بعد الركوب يمد الطعام ويأكل مع الناس، ثم يقوم إلى خيمة خاصة، فينام قليلا، ثم يستيقظ ويصلي، ثم يقرأ شيئا من الأحاديث أو الفقه وغير ذلك.

وتقدم إليه يوما مملوك له كبير، وعرض عليه قصة ، فقال : أخرها الساعة، فلم يفعل وقدمها إلى قريب وجهه، فلما رآها.. قال : هذذا رجل مستحق يوقع له ، وكانت الدواة في صدر الخركاه(1)، فتطاول إليها، ومد يده حتى أخذها، ووقع له، وكانت طراحته (2) تداس من كثرة التزاحم عنده في عرض القصص عليه وهو لا يتأثر بذلك ولا ينهى عنه ، بل ببسم ويفرح، ويأمر بقضاء حوائجهم ومصالحهم سريعا قال القاضي ابن شداد : ولقد نفرت بغلتي يوما وأنا راكب في خدمته، فزحمت وركه حتى عرفت تألمه، وهو مع ذلك يتبسم: ودخلت يومأ بين يديه في يوم شديد المطر والوحل إلى القدس الشريف، فنضحت البغلة من ذلك الوحل عليه شييا كثيرا، حتى إنها أفسدت جميع ما عليه، وهو مع ذلك يتبسم، فأردت أن أتاخر عنه لأجل ذلك ، فما تركني: وكان يسمع من المتظلمين أغلظ ما يكون من الكلام، فيغضي عن ذلك ويتلقاه بالبشر والقبول، ويقول : هلؤلاء مساكين، غفلنا عنهم إلى أن استغاثوا، كان ينبغي لنا رفع مظالمهم بدون الاستغاثة (1) الخركاه : لفظ فارسي ، معناه : سرادق أو خيمة كبيرة - دخل العربية منذ بداية العصر الأيويي، تطور مدلول ليطلق على بيت مصنوع من الخشب على هيثة معينة - مغلقة من الداخل بالجوخ أو الانسجة، كانت تحمل في أسفار الملك أو اللطان ليبيت فيها داخل خيمته؛ وقاية له من برد الشتاء : (2) طراته : شعار أسود يتقلده القضياة

مجمع الأحباب وتذكرة أولي الألباب · الجزء ٣ · الصفحة ٧٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجمع الأحباب وتذكرة أولي الألبابج ٣ · ص ٧٦١