تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

============================================================ وذلك معنى قوله : (كنت له سمعا وبصرا.) الحديث.

والبقاء الذي يعقبه : هو آن يفتى عما له ويبقن بما لله عز وجل عليه .

وقال بعض الأئمة : أما البقاء. . فهو مقام المرسلين والنبيين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين؛ فإنهم ألبسوا السكينة، فلا يمنعهم ما حل بهم عن فرضه ولا عن فضله ( ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيو) والباقي : هو أن تصير الأشياء كلها شيئا واحدا، فتكون حركاته في موافقات الحق جل جلاله دون مخالفاته، فيكون فانيا عن المخالفات باقيا في الموافقات، على معنى آنه لا يجري عليه إلا ما أمر به وما يرضاه الله عز وجل دون ما يكرهه، ويفعل ما يفعل لله عز وجل لا لحظ له فيها لا في عاجل ولا في آجل .

وهذذا معنى قولهم : يكون فانيا عن أوصافه باقيا بأوصاف الحق، لأن الله عز وجل إنما يفعل الأشياء لغيره لا له؛ لاستحالة عود الضر والنفع إليه سبحانه وتعالى، وإنما يفعل الأشياء لينفع عباده ويضرهم، فلا يكون قصد العبد بفعله جر النفع أو دفع الضر: فالباقي بالحق الفاني عن نفسه يفعل الأشياء على معنى أنه لا يقصد في فعله جر المنفعة ودفع المضرة عن نفسه ؛ اذ قد سقطت عنه حظوظ نفسه ومطالبة منافعها بمعنى القصد والنية لا غير، لا بمعنى أنه لا يجد حظأ فيما فعل لله عز وجل، بل بمعنى أنه إنما فعله لله عز وجل لذاته جل جلاله لا لطمع ثواب ولا لخوف عقاب، وإن كان الخوف والرجاء لا يفارقانه، وللكن تكون رغبته في الثواب لموافقة الله عز وجل حيث رغب فيه، وأمر أن يسأل ذلك ، ولا يفعله للذة نفسه قصدا وإن كانت اللذة حاصلة ضمنا، كما يقول أصحابنا في فروع الفقه في نية التبرد في الوضوء وغيره : وهكذا في الخوف، يخاف عقاب الله عز وجل لموافقته له؛ لأنه سبحانه وتعالى أحب أن يخاف عقابه، فهو يخاف العقاب لذلك لا من أجل الإثم الذي هو حظ نفسه، ويفعل سائر الحركات لله عز وجل لا لحظ نفسه .

واستيفاء الكلام على هذذه المقامات يطول، ومن جملة الفناء هنا : هو الغيبة عن الأشياء رأسا، كما كان فناء موسى الكليم عليه الصلاة والسلام لما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسن صعقا وقال أبو سعيد الخراز رحمه الله : علامة الفاني : ذهاب حظه من الدنيا والاخرة إلا

مجمع الأحباب وتذكرة أولي الألباب · الجزء ٣ · الصفحة ٧٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجمع الأحباب وتذكرة أولي الألبابج ٣ · ص ٧٥٨