تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

============================================================ فعند ذلك خركت الكوسات (1) في البلد، وكانت علامة بينهم وبين السلطان، فحرك السلطان كوساته، واقترب من البلد، وتحول إلى قريب منهم ليشغلهم عن البلد، وقد أحاطوا به من كل مكان، ونصبوا عليه من المنجنيقات سبعة، وهي تضرب في البلد ليلا ونهارا، فأثرت فيه أثرا بينا، وشرعوا في ردم الختدق بما أمكنهم من دواب ميتة، وبمن قتل منهم ومات أيضا.

وقابلهم أهل البلد ينقلون ما ألقوه فيه إلى البحر، وظفر ملك الإنكليز ببطسة عظيمة للمسلمين قد أقبلت من بيروت مشحونة بالأمتعة والأسلحة، فأخذها، وكان واقفا في البحر في أربعين مركبا لا يترك شيئا يصل إلى البلد بالكلية ، لعنه الله.

وكان فيها ست مثة من المقاتلة الصناديد الأبطال، فهلكوا عن آخرهم ؛ لأنهم لما أحيط بهم من الجوانب كلها وتحققوا إما الغرق أو القتل.. خرقوها من جوانبها كلها، فغرقت ولم تقدر الفرنج على أخذ شيء منها، لا من الميرة ولا من الأسلحة، وحزن المسلمون على هذذا المصاب حزنا شديدا، فإنا لله وإنا إليه راجعون ولكن الله عز وجل جبر هلذا البلاء بلطفه وكرمه، بأن أقدر المسلمين على إحراق دبابة للفرنج كانت أربع طبقات، الأولى من خشب، والثانية من رصاص، والثالثة من حديد، والرابعة من نحاس، وهي مشرفة على السور، والمقاتلة فيها، وقد قلق أهل البلد منها، بحيث إنهم خوفا من شرها حدثتهم أنفسهم بأن يطلبوا الأمان من الفرنج ويسلموا البلد، ففرج الله عنهم ، وأمكنهم من إحراقها، واتفق وقوع ذلك في البوم الذي غرقت فيه البطسة المذكورة، فأرسل أهل البلد إلى السلطان يشكون إليه كثرة الحصار وقوته عليهم منذ قدم ملك الإتكليز، لعنه الله .

ومع هاذا فقد مرض وجرح ملك الإفرنسيس أيضا، وما يزيدهم إلا شدة وغلظة، وعتوا ونفورا، وفارقهم المركيس وسار إلى بلده صور خوفا منهم أن يخرجوا ملكها من يده.

وبعث ملك الإنكليز إلى السلطان صلاح الدين يذكر أن عنده جوارح قد جاء بها من البحر، وهو على نية إرسالها إليه، ولكنها قد ضعفت، وهو يطلب لها دجاجا لتتقوى به فعرف السلطان أنه إنما يطلب ذلك لنفسه يتلطف، فأرسل إليه بشيء من ذلك كرما (1) الكوسات : الطبول، وفسرها بعضهم بأنها صرج من نحاس شبه الترس الصفير، يدق بإحداها على الأخر:

مجمع الأحباب وتذكرة أولي الألباب · الجزء ٣ · الصفحة ٧٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجمع الأحباب وتذكرة أولي الألبابج ٣ · ص ٧٢٥