============================================================ ومنهم : من يعمل إجابة لباعث الرجاء، وهو الرغبة في الدرجات في الجنة، وهذا - وان كان نازلا بالاضافة إلى قصد طاعة الله تعالى وتعظيمه لذاته وجلاله لا لأمر سواه - فهو من جملة النيات الصحيحة ، لأنه ميل إلى الموعود في الاخرة وإن كان من جنس المألوفات في الدنيا.
وأغلب البواعث باعث البطن والفرج وموضع قضاء وطرهما في الجنة، فالعامل لأجل الجنة عامل لبطنه وفرجه كالأجير السوء، ودرجته درجة البله .
وأما عبادة ذوي الألباب. . فلا تجاوز ذكر الله تعالى حبا لجلاله، وتعظيما لهيبته، وتنزيلا للعبودية منزلتها .
والغرض آن هذذه النيات متفاوتة الدرجات، فمن غلب على قلبه حب واحدة منها..
ربما يتيسر له العدول إلى غيرها ، ومعرفة هذذه الحقائق تورث أعمالا جليلة وأفعالا دقيقة لا يطلع عليها إلا الذين وفقهم الله سبحانه وتعالى، وخاضوا بحار العلوم، فأما الذين لم يمارسوا حقائق العلوم ولم يجروا من الفقه إلا على رسومه.، فينكرونها، ولم تخطر لهم على بال.
ولذلك نقول : من حضرت له نية في مباح ولم تحضر في فضيلة. . فالمباح هنا أولى، وانتقلت الفضيلة إليه، وصارت الفضيلة في حقه نقيصة ، لأن الأعمال بالنيات .
مثال ذلك : العفو أفضل من الانتصار، فربما تحضره نية في الانتصار دون العفو..
فيكون الانتصار أفضل، ومثل أن يكون له نية في الأكل والشرب والنوم ليريح نفسه ويتقوى على العبادة في المستقبل، وليس تنبعث له نيته في الحال للصوم وصلاة التطوع.. فالأكل والنوم هو الأفضل له، بل لو مل العبادة لمواظبته عليها وسكن نشاطه وضعفت رغبته وعلم أنه لو ترفه ساعة بلهو وحديث عاد نشاطه.. فاجمام نفسه وإعطاؤها ما فيه راحتها آفضل، وقد جاء: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي"(1).
وكان صلى الله عليه وسلم يتبدى ؛ أي : يخرج الى البادية صلى الله عليه وسلم (2) .
(1) ورد هذا الحديث في "جامع العلوم والحكم" (295) موقوفا على سيدنا معاذ رضي الله عنه.
(2) اخرجه الطبراني في "الأوسط، (131/6) ، واخرجه بلفظ آخر أبو داوود (2478)، وابن حبان