تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

============================================================ وقد جرحه ومات، فينزعجون لذلك انزعاجأ عظيما، ويحتون ويخرجون من بلادهم لنصرة دينهم على الصعب والذلول ، حتى النساء المخدرات، والأبناء الذين هم عند أهلهم من أعز الثمرات.

وفي نصف ربيع الأول تسلم السلطان شقيف أرنون بالأمان، وكان صاحبه مأسورا تحت الذل والهوان، وكان من أدهى الفرنج وأخبرهم بأيام الناس، وربما قرأ في كتب الحديث وتفسير القرآن، وكان مع هذا غليظ الجلد، كافر القلب، لعنه الله ولما انفصل الشتاء وأقبل الربيع. جاءت الملوك من بلدانها بجيوشها وشجعانها ورجالها وفرسانها، فأرسل الخليفة إلى السلطان أحمالا من النفط والرماح الخطية، وتفاطة(1) متقنين لهذه الصناعة غاية الإتقان ، ومرسوما بعشرين ألف دينار، وانفتح البحر، وتواترت الفرنج والتصارى من كل جزيرة ينصرون إخوانهم، ويمدونهم بالقوة والميرة: وعملت الفرنج ثلاثة أبرجة من خشب وحديد، عليها جلود مسقاة بالخل؛ لئلا يعمل فيها النفط، يسع البرج منها خمس مثة مقاتل، وهي أعلى من أبرجة البلد، وهي مركبة على عجل بحيث يديرونها كيف شاؤوا، على ظهر كل برج منها منجنيق كبير، فأهم آمرها السلمين، وكانوا عليها حنقين فأعمل السلطان فكره في إحراقها وإهلاكها، فاستحضر النفاطين، ووعدهم بالأموال الجزيلة فانتدب شاب نخاس من دمشق، يعرف بعلي ابن عريف النحاسين، والتزم باحراقها، فأخذ النفط الأبيض، وخلط إليه أدوية عرفها، وغلى ذلك في ثلاثة قدور من نحاس، حتى صار نارا تأجج، ورمى كل برج منها بقدر من تلك القدور بالمنجنيق من داخل عكا، فاحترقت الأبرجة الثلاثة بإذن الله عز وجل حتى صارت نارا لها ألسنة في الجو صاعدة فصرخ المسلمون صرخة عظيمة واحدة بالتهليل والتكبير، واحترق في كل برج من مقاتليهم ما ينيف على تسعين كفورا، وكان يوما على الكافرين عسيرا، وذلك يوم الإثنين الثامن والعشرين من ربيع الأول من هذه السنة .

وكانت الفرنج قد تعبوا فيها سبعة أشهر، فاحترقت في يوم واحد بإذن الله سبحانه (1) القاطة : جمع نقاط ، وهو : الخبير بحرفة التفاطة، حيث يصنع أدوات من النحاس يرمن فيها بالنفط والنار للاحراق

مجمع الأحباب وتذكرة أولي الألباب · الجزء ٣ · الصفحة ٧١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجمع الأحباب وتذكرة أولي الألبابج ٣ · ص ٧١٧