============================================================ وهذكذا لما سمع بعض العارفين قوله تعالى: يحبهم ويحبونه) فقال : بحق أحبهم ، فرع بحبهم؛ إشارة الى أن الكل صنعه، فهو سبحانه وتعالى إنما أحب صنعه والمقصود : أن السلطان صلاح الدين رحمه الله لم يزل باذلا مهجته وماله وأولاده في سبيل الله عز وجل، لا يأخذ لنفسه راحة ولا قرارا، ولا يدع لها لذة ولا مهنا إلى أن تقر عينه بالنظر الى وجه ربه الكريم، وئحل عليه رضوانه في جنات النعيم، طالما تعرض للشهادة وسألها وبادر إليها، ولذلك كان يدخل وحده بين صفوف المشركين: والله سبحانه وتعالى عند قصد عبده لا عند حاصله، فاذا حصل من العبد الصدق والاخلاص - وهو الذي يعطيه ذلك ويوفقه له - أنعم عليه بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فهناك: تبقى الأماني صرعى دون مبلغه فما يقول لشيء ليت ذلك لي واعلم : أن سيرة السلطان صلاح الدين قدس الله روحه وما انطوت عليه من جليل مناقبه وجميل مآثره.. آجل من أن يحيط بها وصف، وأشرف من أن يضم جواهرها نظم أو رصف.
فلو جرى القلم الى آن يحفن، وصر لسانه إلى أن يخفت ويخفي.. لما استوعب معظم شمائله ودرر صفاته، ولا نال على ظمئه من ذلك البحر غير صبابة يسيرة.
لا جرم أن العلماء رحمهم الله اكثروا من المصنفات في مناقبه وأحواله، ومن أحسنها - فيما علمت - لكتاب الروضتين في أخبار الدولتين" ، وهو كتاب حافل جليل، أذكر منه إن شاء الله عز وجل مقاصده وعيونه، وأضم اليه من النفائس المستجادات والفوائد المهمات ما لابدمنه فأقول وبالله التوفيق : ان مولد السلطان صلاح الدين قدس الله روحه سنة اثنتين وثلاثين وخمس مثة، بقلعة تكريت(1)، وكان والده نائبا بها.
ثم انتقل مع أبيه وعمه أسد الدين شيركوه إلى الموصل إلى عند أتابك زنكي، ثم إلى (1) تكريت : بفتح التاء وكسرها، والكر آشهر، بلدة مشهورة بين بغداد والموصل :