============================================================ اجتمع له ما لم يجتمع لغيره من ضبط ناموس الملك (1) مع أمرائه وأجناده، فإنه كان يلزمهم القيام بوظائف الخدمة، ولم يجلس عنده أمير إلا بإذنه ، إلا أمير واحد، وهو نجم الدين أيوب، والد صلاح الدين يوسف، وأما من عداه كأسد الدين شيركوه وغيره.. فإنهم كانوا يقفون قياما إلى أن يأذن لهم بالجلوس، وكان مع ذلك إذا دخل عليه العالم أو الفقيه أو الصوفي الفقير. . يقوم له، ويمشي بين يديه، ويجلسه الى جانبه، كأنه أقرب الناس إليه.
واذا أعطى أحدا منهم شيثا.. يقول : هلؤلاء لهم حق في بيت المال، فإذا قنعوا منا ببعضه.. فلهم المنة علينا ، كل ذلك تسكينا لقلوب الأمراء وتألفآلهم .
وكان مجلسه لا يذكر فيه إلا العلم ، وأحوال الصالحين، والمشورة في الجهاد، وما يتقرب به إلى الله عز وجل في يوم المعاد.
وكانت أمور الدين في زمانه محفوظة لا يجسر أحد أن يتظاهر ببدعة ، وكان يقول : نحن نحفظ الطرق من لص وقاطع طريق، والأذى الحاصل منهما قريب، أفلا تحفظ آمور الدين ، ونمنع أهل البدع ، ونحمل الناس على الكتاب والشنة إذهما الأصل ؟!
وفي سنة تسع وستين وخمس مثة - وهي السنة التي توفي فيها نور الدين - اكثر من الأوقاف والصدقات وعمارة المساجد، وأزال جميع ما فيه شبهة من الأموال، ولم يثق سوى الجزية والخراج، وأمر بكثب مناشير بذلك إلى جميع بلاده، وكتب ألف منشور، وحسب ما تصدق به على الفقراء في تلك الأشهر، فزاد على ثلاثين ألف دينار.
وكانت عادته في الصدقة : أن يحضر جماعة من أماثل البلد من أهل الخير من كل محلة، ويسألهم عمن يعرفون في جوارهم من أهل الحاجة والفقر، ثم يدفع اليهم الصدقة ، فيصرفها أولثك على ذوي الحاجات، وكانت نفقته في خاصة نفسه في كل شهر من جزية أهل الذمة مبلغ ألفي قرطيس(2) يصرفه في الكسوة والنفقة وما يحتاج إليه، حتى أجرة الخياطة وجامكية(4) الطباخ، ويستفضل منه ما يتصدق به في آخر الشهر.
وأما ما يهدى إليه من الملوك . . فكان يضعه في بيت المال للمسلمين، آو يودعه عند (1) ناموس الملك : قانونه وشريعته (2) قرطي : مفرد قراطي، وهي : نقود فضية أو نحاسية، متداولة في العصر الأيوبي، أصلها قضبان من الفضة أو النحاس، تقص فتصبح نقودا (3) جامكية : لفظ فارسي معناه : مرتب الجندي أو الخادم ، اطلق في العصر العثماني على الأعطيات والمرتبات الشهرية أو السنوية التي كان يتقاضاها الجند، يجمع على جوامك