تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

============================================================ وكان وحضر مشايخهم عنده، ويقربهم، ويدنيهم، ويتواضع لهم، ويصلهم بصلات كثيرة، وإذا أقبل أحدهم إليه.. يقوم له من حين يراه، ويجلسه معه على سجادته، وئقبل عليه بحديثه، وكذلك كان يفعل مع العلماء، ويعاملهم بالتعظيم والتوقير والاحترام، ويجمعهم عنده للبحث والنظر، وقصدوه من البلاد الشاسعة من خراسان وغيرها وبالجملة : كان أهل الدين عنده في أعلى محل وأعظمه، وكان أمراؤه يحسدونهم على ذلك، وكانوا يقعون فيهم عنده، فينهاهم أشد النهي، وإذا نقلوا عن إنسان عيبأ.. يقول : ومن المعصوم ؟1 وإنما الكامل من تعد ذنوبه وكان نور الدين قد استقدم قطب الدين النيسابوري الفقيه الشافعي من خراسان، فلما قدم.. بالغ في اكرامه والإحسان إليه، فحسده بعض الأمراء، ونال منه يوما عند نور الدين، فقال له : يا هذا؛ إن صح عنه ما تقول.. فله حسنة تغفر له بها كل زلة ذكرتها، وهي العلم والدين، وأما أنت وأصحابك.. ففيكم أضعاف ما ذكرت، وليست لكم حسنة تغفر بها، ولو عقلت.. لشغلك عيبك عن غيرك، وأنا احتمل سيئاتكم مع عدم حسناتكم، أفلا أحتمل سيئة هذذا - إن صحت عنه - مع وجود حسنته، على أني لا أصدقكم فيه في الذي تقولون عنه، وإن عدت ذكرته أو غيره بسوء.. لأودبتك وينى بدمشق دارا للحديث، ووقف عليها أوقافا كثيرة، وهو أول من بنى دارا للحديث في دمشق فيما قيل وينىن في كثير من بلاده مكاتب للأيتام، وأجرى عليهم وعلى معلميهم الجرايات.

وبنين مساجد كثيرة، ووقف عليها وعلى من يقرأ بها وحكى من هو عارف بأعمال الشام : أن تور الدين وقف إلى وقتنا هذا - وهي سنة ثمان وخمسين وخمس مثة(1) - ما يبلغ ريعه كل شهر تسعة آلاف دينار صورية، جميع ذلك ملك صحيح شرعي، ملكه بطريقه الشرعي، ثم وقفه على جهات البر والخير.

وأما وقاره وهيته : فكان - كما قيل- شديدا من غير عنف، رفيقأ من غير ضعف، بتلاوة الأذكار والأوراد، ففيها أجنحة للعبادة، وأخرى للطعام، وغيرها للنوم .

(1) كذا في السخ، وفي * الروضتين " (48/1) : ثمان وست مثة ، نقلا عن ابن الأثير في كتابه " الباهر"، والذي في الروضتين" هو الصواب ؛ لأن ابن الأثير ولد سنة (555ه) وتوفي سنة (630 ه) فيستحيل أن يكون روي هذا الخبر وهو في الثالثة من عمره، والله أعلم .

193

مجمع الأحباب وتذكرة أولي الألباب · الجزء ٣ · الصفحة ٦٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجمع الأحباب وتذكرة أولي الألبابج ٣ · ص ٦٥٣