============================================================ وكان من جملة عدله : أنه لم يكن يعاقب على الظنة والتهمة، بل على وفق الشرع الشريف بطلب البينة على المتهم، فإن قامت البينة الشرعية. . عاقب العفوية الشرعية من غير تعد ولا مجاوزة عليها.
وقامت بهذا الفعل والقصد الجميل بلاده كلها مع سعتها، وقل المفدون ببركة العدل واتباع أوامر الشرع الشريف ، واندفع عن الناس من الشر ما يوجد في غير ولايته، مع شدة السياسة والمبالغة في العقوبة وحكى قاضي القضاة بهاء الدين أبو المحاسن يوسف بن رافع بن تميم : أن نور الدين كان في كل سنة في شهر رمضان يطلب من الشيخ عمر الملأء شيئا يفطر عليه، فكان الشيخ عمر يرسل إليه الاكياس فيها الفتيت والوقاق(1) وغير ذلك، فكان نور الدين يفطر عليه، وكان إذا قدم الموصل . . لا يأكل إلا من طعام الشيخ عمر الملاء : وكان قد أمر نوابه في جميع بلاده ألا يعملوا شيئا إلا بالشرع الشريف ، وهو الذي يأمر به القضاة وكان يقول لقاضي الموصل ولنائبه أن يأتمروا بما يقوله الشيخ عمر الملاء؛ لعلمه وصلاحه، فكان النائب بالموصل لا يعمل شييا بالسياسة، ويطلب الشحنكية(2).
فجاء اكابر الدولة وقالوا للنائب : قد كثر الثعار(2) وأرباب الفساد، وهلذه الأشياء لا تجيء إلا بالقتل والصلب ، فلو كتبت إلى نور الدين تستأذنه في ذلك : فقال : أنا لا أجسر أن اكتب إليه في هاذا المعنى ، ولككن قولوا للشيخ عمر يكتب إليه، فحضروا عنده ، وسألوه في ذلك ، واخبروه بأن هذذه الأشياء لا تقوم إلا بالقتل والصلب ، وتحتاج الىل نوع سياسة، وقالوا : إذا أخذ مال إنسان في البرية. . من يجيء يشهد له ؟1 فكتب الشيخ عمر إلىل نور الدين وقال : إن الثعار والمفسدين وقطاع الطريق قد كثروا ، ويحتاج هذذا إلى نوع سياسة، ومثل هذذا لا يجيء إلا بقتل وصلب وضرب ، وإذا أخذ مال الانسان في البرية. . من يجيء يشهد له؟1 فلما وصل إليه الكتاب. . قلبه وكتب على ظهره : (1) الفتيت والرقاق : من أنواع الخبز ، فالأول ما فت من الخبز وتكر ، والثاني : الخبز المبسط الرقيق .
(2) الشحنكية : طائفة من السحاربين مهمتهم حراسة البلد ومنشاتها، يراسهم الشحنة؛ أي : رنيس الشرطة أو ال (3) الاعار : جمع داعر، وهو : المفسد في الأرض بتمرده وعدم قبوله للموعظة .