============================================================ وخامسها - وهو الذي يقتضي كلام حجة الإسلام أبي حامد الغزالي قدس الله روحه- : ترجيحه، وهو : أن نية الطاعة في نفسها خير، وإن لم يقترن بها عمل الجوارح.
وأما الطاعات التي لا تم إلا بنية وعمل. . فالخير مشترك بينهما، وهو في جانب النية أرجح ؛ لأنه يتوقف صحة العمل أو كماله على وجودها فيه، فهما عملان، كل واحد منهما له أثر في المقصود ، ولكن أثر النية اكثر من أثر العمل ، فهي خير من العمل بهذذا الاعتبار.
وأما سبب كونه خيرا ومرجحا على العمل. . فلا يفهمه إلا من فهم مقصد الدين وطريقه، فمن قال : الخبز خير من الفالوذج. . فإنما يعني به : أنه خير بالاضافة إلى مقصود القوت والاغتذاء، ولا يفهم ذلك إلا من فهم أن للغذاء مقصدا ، وهو الصحة والبقاء، وأن الأغذية مختلفة الآثار فيها، وفهم آثر كل واحد منهما وقاس بعضها بالبعض، فالطاعات غذاء القلوب، والمقصود بقاؤها وشفاؤها وسلامتها في الاخرة، وسعادتها وتتعمها بلقاء الله فالمقصد لذة السعادة بلقاء الله عز وجل فقط، ولن يتنعم بلقاء الله إلا من مات محبا لله عارفا بالله، ولن يحبه إلا من عرفه ، ولن يأنس به إلا من طال فكره له .
والأنس(1) يحصل بدوام الذكر، والمعرفة بدوام الفكر، والمحبة تتبع المعرفة بالضرورة، ولن يتفرغ القلب لدوام الذكر والفكر إلا إذا فرغ من شواغل الدنيا ، ولن يتفرغ من شواغلها إلا إذا قطع عنها شهواتها، حتى تصير مائلة إلى الخير مريدة له، نافرة عن الشر مبغضة له، وإنما يميل إلى الخيرات والطاعات إذا علم أن سعادته منوطة بها، وإذا حصل الميل بالمعرفة . فإنما يقوى بالعمل بمقتضى الميل والمواظبة عليها.
ولن يتاكد ذلك إلا بالمواظبة على أعمال الطاعات وترك المعاصي بالجوارح؛ لأن بين الجوارح ويين القلب علاقة أنه يتأئر كل واحد منهما بالاخر، فترى العضو إذا أصابته جراحة.. تالم بها القلب، وترى القلب إذا تألم بعلمه بموت عزيز آو بهجوم آمر مخوف..
تأثرت به الأعضاء، وارتعدت الفرائص، وتغير اللون؛ لأن القلب هو الأصل المتبوع ، وكأنه الأمير والراعي ، والجوارح كالخدم والرعايا والأتباع، فالجوارح خادمة للقلب بتأكيد صفاتها فيه، فالقلب هو المقصود، والأعضاء آلات موصلة إلى المقصود، ولذلك قال (1) في نسخة : (والأمن) .