============================================================ عابد آخر رضي الله عنه قال أبو الفرج - رحمه ألله - : قال أبو عامر الواعظ : بينا أنا جالس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إذ جاءني غلام أسود برقعة، فإذا فيها مكتوب : بسم الله الرحمان الرحيم، متعك الله تعالى بمسامرة الفكرة، ونعمك بمؤانسة العبرة، وأفردك بحب الخلوة : يا أبا عامر؛ أنا رجل من إخوانك، بلغني قدومك المدينة، فسررت بذلك، وأحببت زيارتك، وبي من الشوق إلى مجالستك والاستماع لمحادثتك ما لو كان فوقي . . لأظلني، أو لو كان تحتي. . لأقلني، فسألتك بالله الذي حباك بالبلاغة لما أسعدتني بزيارتك .
والسلام.
قال أبو عامر : فقمت مع الرسول حتى أتى بي إلى فناء ، فأدخلني منزلا رحيبا خربا، فقال لي : قف هلهنا حتى أستأذن لك، فوقفت، فدخل، ثم خرج وقال : ادخل، فدخلت؛ فإذا بيت مفرد في الخربة له باب من جريد التخل، وإذا كهل قاعد مستقبل القبلة تخاله من الوله مكروبا، قد ظهر في وجهه الأحزان، وقد ذهبت من البكاء عيناه ومرضت.
فسلمت عليه، فرد علي السلام ، ثم تحلحل (1) للقيام ، فإذا هو أعمي أعرج مسقام (2) ، فقال لي : يا أبا عامر؛ غيل الله عز وجل من رين الذنوب قلبك، لم يزل قلبي إليك تواقا ، والى استماع الموعظة منك مشتاقا، وبي جرح قد أعى المتطببين دواؤه، وقد بلغني نفع مراهمك للجراحات، فعالجني بعضها، فإني ممن يصبر على مرارة الدواء رجاء للشفاء قال أبو عامر: فنظرت الى منظر بهرني، وسمعت كلاما قطعني، فقلت له : يا شيخ؛ ارم ببصر قلبك في ملكوت السماء، واجعل سمع معرفتك بالقيوم بجميع من في الأرض (1) تحلحل : تحرك وزال عن مرضعه.
(2) سقام : بممنن سفيم، وهو المريض الكثير السقام .