============================================================ ومنها : التلذذ بمجرد المعرفة لله عز وجل، والتلذذ بمناجاته، لا سيما حال الوقوف بين يدي الله سبحانه وتعالى وقد قال أبو سليمان الداراني رحمه الله : لو لم يبك العاقل فيما بقي من عمره إلا علن لذة ما فاته من الطاعة فيما مضين. . لكان ينبغي له أن يبكي حتى يموت وقد قال يحبى بن معاذ الرازي : إن العبد على قدر حبه لله عز وجل يحببه الى خلقه، وعلى قدر توقيره لأمره يوقره خلقه، وعلى قدر التشاغل بعبادته يعظمه في صدور عباده وعلى قدر سكون قلبه على ما وعده الله سبحانه وتعالى به يطيب له عيشه، وعلى قدر حلاوته لعبادته واستلذاذه بها يجد ما كان يأمل منه، وغلى قدر ذكره يديم عليه الطاف بره، وعلى قدر استيحاشه من خلقه يكون أنسه به، والله؛ لو لم يحصل للعبد من الثواب على أعماله إلا ما عجل له في دنياه.. لكان كثيرا، فكيف بما يصير اليه من جزيل ثواب وعظيم عطاء إلى ما لا يحيط به الوصف مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ؟!
وقال أبو القاسم الجنيد : إن الله عز وجل يعطي القلوب من بره بحسب ما أخلصت له القلوب في ذكره سبحانه وتعالى ومنها : ما يشاهدونه من روح النعيم عند الأسحار في تهجدهم، وهذا أخص من الأول، وهو سر لطيف لا يمكن التعبير عنه ، ولهاذا قال العارفون : ليس في الدنيا نعيم يشبه نعيم أهل الجنة إلا ما يحل على الأولياء في الأسحار: وقد قال بعضهم : كابدت الصلاة عشرين سنة، وتنعمت بها عشرين سنة فعبادته عز وجل في الدنيا هي قرة أعين المخلصين، ومنتهن بغية المتقين ، ولولاها.. لما اختاروا المقام في الدنيا ولا طرفة عين، لا سيما الصحابة والتابعون وتابعوهم رضوان الله عليهم الا ترى الى ما روي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه كان يقول عند الاحتضار : (اللهم؛ إنك تعلم أني لم اكن أحب البقاء في الدنيا لكزي(1) الأنهار، ولا لغرس الأشجار، ولككن لظما الهواجر، ومكابدة الساعات، ومزاحمة العلماء بالروكب عند حلق الذكر) : وكان أبو الدرداء رضي الله عنه يقول : (لولا ثلاث ما أحببت البقاء : وضع جبهتي في (1) كري الأنهار : حفرها .