============================================================ فالفناء : هو آن تفنى عنه الحظوظ، فلا يكون له في شيء حظ، ويسقط عنه التمييز لفنائه عن الأشياء كلها شغلا بمن فني به ، كما قال عامر بن عبد الله رضي الله عنه : ما أبالي امرأة أتيت أم حائطا .
والحق جل جلاله يتولى تصريفه في وظائفه وموافقاته، فيكون محفوظأ فيما لله عز وجل عليه، مأحوذا عما له وعن جميع المخالفات، فلا يكون له إليها سبيلأ، وهو العصمة، وذلك معنى قوله : (كنت له سمعا وبصرا) والبقاء الذي يعقبه : هو أن يفنى عما له ويبقن بما لله عز وجل عليه.
وقال بعض الأئمة : البقاء : مقام النبيين صلوات الله وسلامه عليهم؛ فإنهم البسوا السكينة ، فلا يمنعهم ما حل بهم عن فرضه ولا عن فضله، ( ذالك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيو) والثاني(1) : هو أن تصير الأشياء كلها له شيئا واحدا ، فتكون حركاته في موافقات الحق دون مخالفاته، فيكون فانيا عن المخالفات، باقيا في الموافقات، على معنى أنه لا يجري عليه إلا ما أمر به وما يرضاه الله عز وجل دون ما يكرهه، ويفعل ما يفعل لله تعالي لا لحظ له فيها، لا في عاجل ولا في آجل.
وهذا معنى قولهم : يكون فانيا عن أوصافه، باقيا بأوصاف الحق؛ لأن الله عز وجل إنما يفعل الأشياء لغيره لا له؛ لاستحالة عود الضر والنفع إليه ، وإنما يفعل الأشياء لينفع عباده أو يضرهم، فلا يكون قصد العبد بفعله جر النفع له أو دفع الضر: فالباقي بالحق الفاني عن نفسه.. يفعل الأشياء على معنى أنه لا يقصد في فعله جر المنفعة ودفع المضرة عن نفسه ؛ اذ قد سقطت عنه حظوظ نفسه ومطالبة منافعها بمعنى القصد والنية لا غير، لا بمعنى أنه لا يجد حظا فيما فعل لله عز وجل، بل بمعنى آنه إنما فعله لله عز وجل لذاته لا لطمع ثواب ولا لخوف عقاب، وإن كان الخوف والرجاء لا يفارقانه وللكن تكون رغبته في الثواب لموافقة الله عز وجل؛ حيث رغب فيه، وأمر أن يسال ذلك ولا يفعله للذة نفسه قصدا وإن كانت اللذة حاصلة ضمنا، كما يقول الأصحاب فيمن توضأ ولم ينو التبرد - فإن التبرد حاصل ضمنا - : ولو نوى التبرد.. ضره: (1) الثاني : أي الفناء .
245