تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

============================================================ ثم قرأ : ان الملولك إذا دخلوا قريية أفسيوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلوت) ، فلو كان قلبه معه.. ما اختار لنفسه الشجى والأحزان، ولما هجر الأخلاء والإخوان، وللكنه استوضح الطريق، واستصحب التوفيق، وتزود من المساعدة، وركب أشواق المشاهدة، فركض في ميدان الصفاء والوقار، وخلف وراءه النفس والهوى، فأخذ سره عن نفسه، وهرب قلبه عن آنسه، فبقي مع آنيسه بلا قلب، ومع محبوبه بلا لق.

وقال : المحبة: التشرف بالمحبوب ولهذا قال يحيى بن معاذ الرازي - رحمه الله - : ذهب المحبون بشرف الدنيا والأخرة؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " المرء مع من أحب "(1).

ثم قال سمنون : محبو الجنة بقو مع جنتهم، ومحبو الدنيا بقو مع دنياهم، ومحيو الحق جل جلاله بقو مع الحق سبحانه وتعالى في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

وقال آبو محمد رحمه الله : دخلت على سمنون، فرآيته يكي، فجلست ساعة وحضرت صلاة الظهر، فقلت : قد أذن، فقام للصلاة، فلما فرغ من صلاة الفرض والشنة .. عاد إلى البكاء، فقلت له : بالله ؛ ما سبب هذا البكاء ؟ فقال لي : يا آبا محمد؛ كيف لا أبكي وأنا رجل مطلوب، والليل والنهار ينهبان عمري، وأقدم على ربي سبحانه وتعالى بذنوب قد سارت بها الركبان، وكتبها الملكان ، واطلع عليها قبل ذلك الملك الديان جل جلاله ؟! قال : ثم غلبه البكاء، فتركته وانصرفت.

وروي : آنه يوم مات سمنون المحب رحمه الله. قال أحد الحاضرين : ما أكثر براهين هذذا الرجل!

وقال آخر : بذل راحته في ابتداء أفعاله، ثم روحه في انتهاء أحواله وكتب سمنون على مرقعته : لو طولب أصحاب الدعاوي بالمعاني.. لافتضحوا.

وكان ورده في كل يوم وليلة : خمس مثة ركعة .

وقال آبو الفرج وغيره : إن سمنون المحب انتهى خبره إلى بعض الخلفاء، فأحب لقاءه في خلوة، فما زال يطلبه حتى ظفر به في الطواف، فسأله : بم تحيا القلوب ؟ فقال: با أمير المؤمنين، أما حياة الواصلين إلى الله عز وجل.. ففي خدمته ولزوم طاعته جل جلاله، فقال له : وكيف وصلت إليه 9 فقال : ما وصلت حتى عملت ستة أشياء: (1) احرجه البخاري (5816)، ومسلم (2640) .

مجمع الأحباب وتذكرة أولي الألباب · الجزء ٣ · الصفحة ٣٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجمع الأحباب وتذكرة أولي الألبابج ٣ · ص ٣٢٧