تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

============================================================ حتى إن سفيان الثوري رحمه الله كان يمتنع من الاستقراض أيضا لهذذا المعنن؛ فإنه قال : ما أجد أحدا أفزع إليه في قرض عشرة دراهم يكتم علي، حتى انه يمشي إلى الناس ويقول : جاءني فلان واقترض مني كذا ، والله أعلم ومنها : قد يكون قصد الأستاذ أبي حفض رحمه الله بالايثار أولا والسؤال ثانيا؛ ليصير دائم الفاقة، فتنقطع نفسه عن جنيع ما يقطعه عن الله سبحانه وتعالى، فلا قاطع أعظم من التعلق بالدنيا ، فشأن العارفين العزوف عنها بكل طريق؛ لتضفو لهم المعاملة مع الله عز وجل، كما قال حارثة رضي الله عنه : (عزفت نفسي عن الدنيا، فأسهرث ليلي واظمأث نهاري) ومنها : أن الأستاذ أبا حفض رحمه الله يحتمل أن يكون قد قصد بالإيثار إعمال التوكل، وبالسؤال إعمال السبب؛ لئلا يعطل حكمة الله عز وجل في مشروعية الأسباب، وإعمالا لما تعبد الله عز وجل عباده من التعبد بهما .

وقد قدمنا أن مذهب أهل الشنة : أن تعاطي الأسباب لا ينافي التوكل ، وهو رتبة الكاملين فيه ، ومن تتبع الشنة الشريفة. . وجدها علو ذلك.

الا ترى إلى قضية الخندق، لما احتاج الصحابة رضوان الله عليهم إلى الزاد.. أمرهم النبي ضلى الله عليه وسلم أن يسطوا نطعا، ويجمعوا عليه أزوادهم، فاجتمع شيء يسيز، ثم وضع النبي صلى الله عليه وسلم يده الكريمة فيه ودعا بالبركة: وما رويناه عن البخاري بسنده ([2260] عن جابر بن عبد الله قال : قتل آبي يوم أحد شهيدا وعليه دين، فاشتد الغرماء في حقوقهم، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فسالهم أن يقبلوا تمر حائطي ويحللوا أبي، فابوا، فلم يعطهم النبي صلى الله عليه وسلم حاتطي، وقال : وسنغدو عليك"، فغدا علينا حين أصبح، فطاف في النخل ودعا في ثمرها بالبركة، فجددتها(1) وقضيتهم، وبقني لنا من تمرها .

وهكذا في قصة الماء وفي الطعام القليل وفي اللبن ، إلى غير ذلك مما هو معروف مشهور لايتمارى فيه واعلم : أن من جرد التوكل عن السبب الذي جعله الله عز وجل سببا.. لم يفعل ما أمر (1) جددتها : قطفتها 9

مجمع الأحباب وتذكرة أولي الألباب · الجزء ٣ · الصفحة ٢٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجمع الأحباب وتذكرة أولي الألبابج ٣ · ص ٢٥٦