============================================================ عزل عن الخلق لا يحس بهم ولا يشعر بما هم فيه، ويصير غرقا في الله عز وجل، كما كان حال غير واحد من العارفين بل اكثرهم .
واعلم : أن الغيبة غيبة عن علم ما يجري من أحوال الخلق بما يرد عليه من الحق جل جلاله، ثم إنه قد يغيب عن غيره فقط، وقد يغيب عن نفسه وغيره أيضا إذا عظم الوارد، ثم قد تطول الغيبة، وقد تقصر، فقد تدوم للعبد أفعال وأخلاق وأحوال، فالأحوال تصرفاته الاختيارية، والأخلاق طباعه الفطرية، وللكنها تتغير بتبديل العادة على مرور الأيام، وأما الأحوال.. فانها ترد على العبد ابتداء، وصفاؤها بحسب صلاح آعماله، ومتن فني العبد عن الأفعال والأخلاق والأحوال بزوال إحساسه عن ذلك.. فقد استولى عليه سلطان الحقيقة، فهو حاضر بالحق غاتب عن نفسه وعن الخلق.
ومما يشهد بصحة دخول الغيبة : قصة يوسف عليه الصلاة والسلام؛ فإن النسوة قطعن أيديهن حين شاهدن جمال يوسف عليه الصلاة والسلام، فاذا كانت مشاهدة جمال يوسف عليه الصلاة والسلام والاشتغال به غيبهن عن الإحساس بألم القطع لفرط الدهش والذهول بجمال مخلوق مثلهن ، مع أنهن أضعف من الرجال خلقا، وأقل من الرجال صبرا .. فكيف تكون غيبة من شاهد بقلبه ذا الجلال والاكرام وخالق السماوات والأرض جل جلاله ولا إلكه غيره ؟! لا جرم انه يصير غرقا بكليته في وجود الحق لغيبته عن كل ما سواه سبحانه وتعالى، وهذذا حال غير واحد من العارفين منهم : أبو بكر الشبلي رحمه الله، فإن أبا القاسم الجنيد قال له يوما : حرام عليك يا أبا بكر إن كلمت أحدا ؛ فإن الخلق غرقى عن الله، وأنت غرق في الله عز وجل: وقد حكى الأستاذ أبو القاسم القشيري : أن شخصا من أهل نساء(1) قال : كنت طول مقامي بنساء الازم مجلس الشيخ أبي علي الدقاق رحمه الله، وكان كثيرا ما يذكر الحج ويحض عليه ، ثم اتفق أن الشيخ أبا علي خرج إلى الحج في تلك الينة، وخرجت أيضا إلى الحج، فرأيت الشيخ أبا علي قد توضأ في الطريق يوما ونسي قمقمة (4) كانت معه، فحملتها إلى منزله ، فلما رآني. . قال : جزاك الله خيرا حيث حملت هاذه إلى هنا ، من أنت ؟ أظن أني رأيتك مرة ، قال : قلت : المستغات بالله، قد خرجت عن أهلي وبلادي في محبتك، (1) نساء : مدينة بخراسان، بينها وبين سرخ بومان، وبين مرو خمة أيام، ويقال في النسبة إليها : نجوي () الققة : ما يغن فيه الماء من نحاس وغيره