============================================================ وملخص هاذا : أن المعتبر رعاية ما فيه صلاح القلب، فحيث وجد. . وجب سلوكه إذا عضده الدليل الشرعي: فإن قلت : هذذا المعنى الذي ذكرته من أنه إذا صح التوكل لا يضر معه الادخار. . غريب لم نره في كلام أحد من الأثمة .
قلت : إن الشريعة كالبحر، تعطي كل ساعة جواهر، وقد دللنا على صحة هاذا المعنى مما تقدم من ادخاره صلى الله عليه وسلم ونهيه عنه، وذكرتا أن هذذا المعنى يحتمل آن يكون أحدطرق الجمع: وأما الأئمة المصرحون بذلك : فإنه قد رؤينا عن الحافظ أبي نعيم - قدس الله روحه- قال : زار فتح بن سعيد الموصلي قدس الله روحه بشر بن الحارث رحمه الله، فأحضر له طعاما، فأكل منه وحمل الباقي معه، فلما خرج فتح. . قال بشر لأصحابه : أتدرون لم حمل فتح الباقي معه؟ قالوا : لا، قال : إنما حمله ليعرفنا أنه إذا صح التوكل. . لا يضر معه الادخار.
وكان السر في ذلك - والله أعلم - : أن قوة الإيمان وكماله يمنعان من النظر في جميع الأشياء، إلى غير الله عز وجل: الا ترى إلى ما روي عن خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال : ما نظرت إلى شيء. . إلا نظرت إلى الله عز وجل قبله .
واذا كان العارف إنما نظره في جميع الأشياء إلى الله سبحانه وتعالى. . فهو مشغول بالله سبحانه وتعالى وقلبه ساكن إليه فلو كانت الدنيا كلها في يديه. . لما لمحها ولا نظر إليها، كما كان حال الصحابة رضوان الله عليهم، الدنيا في أيديهم دون قلوبهم، فإن قلوبهم إنسا كانت مشغولة بالله تعالن، فهم لا ينظرونها ولا يلمحونها، بل ولا تمر لهم على بال، فلذلك كان الادخار لا يضرهم : وعلى هذا مضين بعض السلف ؛ فإن الغالب عليهم كان الادخار؛ لعدم النظر إليه وانتفاء الضرر به لأن نظرهم إلى ولي النعم لا إلى النعم، وتعلقهم بمسبب الأسباب لا بالأسباب.
ألا ترى إلى قول غير واحد من العارفين : تعلق الناس بالأسباب، وتعلق الصديقون بمسبب الأسباب؛ لكونهم ينظرون إلى ولي العطاء لا إلى العطاء .