============================================================ الوجه الرابع : اعلم : أنه إذا صح التوكل. . لا يضر معه الادخار، وقبل الوصول إلى هذذه المرتبة قد يضر معه الادخار: وهذا معنى صحيح معتبر، ومن تتبع السنة الشريفة وأحوال الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين. وجدها دالة على ذلك الا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدخر قوت سنة ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم سيد المتوكلين، ورأس الزاهدين ، وإمام المتقين ، وما أرسل إلا رحمة للعالمين، فهو لكمال رتبته، ورفيع منزلته لا ينقص ادخاره من توكله مثقال ذرة ، ولا اكثر من ذلك ولا أقل، بخلاف أمته؛ فانهم متفاوتون بحسب مراتبهم، على ما سيأتي بيانه إن شاء الله عز وجل: ولهذا : إنه صلى الله عليه وسلم نهن آم أيمن وغيرها عن الادخار؛ خشية أن تنظر اليه، فينقص توكلها، فتتضرر به وقد صرح بهذذا المعني؛ فإنه قال صلى الله عليه وسلم لبلال : 1 أنفق بلالا ولا تخش من ذي العرش إقلالا "(1).
و(قال له أيضا : "إذا ستلت. . فلا تمنع ، وإذا أعطيت.. فلا تخبا"، فقال : كيف لي بذاك يا رسول الله ؟ قال : " هو ذاك أو النار"(2).
والمعنى فيه - والله أعلم - : ليكن نظرك واعتمادك إلى الله عز وجل لا إلى ما تدخره؛ فإنه ليس بمغن عنك شيئا .
وحاصل هاذا الدليل مع سائر الأدلة - لمن يتبعها - راجع إلى جواز الادخار، والنهي عنه، والجمع بينهما بطرق : منها : ماتقدم، وهو : أن الادخار قد يضر وقد لا يضر: ومنها - مع مراعاة هذا المعنى - : فهو آن مقامه الشريف ومنصبه العلي صلى الله عليه وسلم التشريع لأمته، فأدخر ونهى؛ لئلا تخرج امته ويأخذ كل منهم مشربه؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم كما أخبر الله عز وجل عنه في كتابه الكريم فقال : (لقد جاء كم (1) اخرجه الطبراني في "الكبير" (340/1) .
(2) اخرجه الطبراني في "الكبير* (341/1) .