تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

============================================================ وهذذا معنى صحيح يشهد لاعتباره الكتاب والشنة ، فإن تعاطي الأسباب أمر مطلوب، بل فيها ما هو فرض، وهو لا ينافي التوكل ، بل هو درجة الكاملين فيه والله سبحانه قد تعبد عباده بالتوكل والكسب جميعا، فتعاطي الأسباب كما قلنا مأمور به، إنما المحذور النظر إليها وكونها مؤثرة، وهذه مسألة غامضة لطيفة سأعود إليها قريبا إن شاء الله عز وجل، فانها تحتاج الى مزيد بسط وتحرير.

ومنها : مع كونهم يراعون الأسباب، فقد يتوجه نظرهم إلى رعاية أمور أخري هي أفمض وأدق من الأول : فمنها : ما حكيناه عن بعض العارفين، أنه صرح به ؛ فإنه لما أخذ من أيدي الخلق ولم يأخذ مما اكرمه الله سبحانه به. . علل ذلك بأن هذذه أثقال وفتنة، وذاك للعباد فيه رحمة ه ومنها : - وهو مشرب جميع العارفين - : أن الدنيا في نفسها حقيرة لا تزن عند الله جناح بعوضة، وهم قد زهدوا فيها، فيستحيون من الله عز وجل آن يقع لهم سؤال في شيء منها؛ اذ كان جميعها لا يساوي جناح بعوضة، مع كونهم قد زهدوا فيها، فلذلك كان سؤالهم من المخلوقين، ولا يتجاسرون أن يسألوا رب العالمين جل جلاله؛ حياء منه، ألا ترى إلى ما روي عن يحيى بن معاذ الرازي أن بنتا له صغيرة قالت له يوما : يا أبت؛ إني جائعة، فقال : يا بنية؛ سلي الله سبحانه وتعالى.. يطعنك، فقالت : يا أبت؛ أما يستحي العبد من ربه عز وجل أن يسأله في شيء للأكل ؟ا وقد قال العارفون : إن الله سبحانه وتعالى يقول للزاهد في الدنيا : (يا عبدي؛ أما زهذك في الدنيا : فقد تعجلت به الراحة لنفسك، وهل كنت تملك منها شيئا حتى تزهد فيه ؟1 وما قدر الدنيا ؟1) فيقول : يا ربي، إنها لا تساوي جناح بعوضة، فعند ذلك يلحق العبد من الحياء الشديد ما يستحي آن يرفع رأسه، ويقول : يا رب؛ زهدت فيما لا يزن ناح بعوضة فالعارفون شهدوا حقارتها فأنزلوها منزلتها ، فإذا احتاجوا الى غرض منها.. وجهوا سؤالهم في الظاهر إلى المخلوقين ، ولهم في ذلك من المقاصد الصالحة ما قد يخقى وما لا يخفى 244

مجمع الأحباب وتذكرة أولي الألباب · الجزء ٣ · الصفحة ٢٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجمع الأحباب وتذكرة أولي الألبابج ٣ · ص ٢٤٤