تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

============================================================ لا يسأل إلا عند الضرورة من غير عزم تقدم ولا عقد تأخر، لسانه يشير إلى الخلق، وقلبه متعلق بالحق سبحانه وتعالى، فلا يرى الأخذ إلا منه - واعتقاد كل المؤمنين ذلك - وإنما العارف جعل اعتقاده عملا، وهو المطلوب.

ومتهم : من يعلل الأخذ من الناس بمسلك آخر، صرح به غير واحد من العارفين) على ما حكاه حجة الإسلام أبو حامد الغزالي- قدس الله روحه - : عن بعض المجاورين بمكة قال : كان عندي دراهم أعددتها للاتفاق في سبيل الله، فسمعت فقيرا قد فرغ من طوافه وهو يقول بصوت خفي: جائع كما ترى، عريان كما ترى، فما ترى فيما ترى يا من يرى ولايرى؟ فنظرت؛ فإذا عليه خلقان لا تكاد تواريه، فقلت في نفسي : لا أجد لدراهمي موضعأ أحسن من هذا، فحملتها إليه، فنظر إليها، ثم أخذ منها خمسة دراهم، فقال : أربعة ثمن مثزرين ، ودرهم أنفقه، ولا حاجة لي في الباقي، فرده قال : فرأيته في الليلة الثانية وعليه مثزران جديدان، فهجس في نفسي منه شيء، فالتفت إلي، وأخذ بيدي، وأطافني معه أسبوعا، كل شوط منها في جوهر من معادن الأرض يتخشخش تحت أقدامنا، منه ذهب وفضة وياقوت وزيرجد، وغيرنا من الطائفين معنا لا يشاهد ذلك، فقال لي : كل هذذا قد أعطانيه الله عز وجل، فزهدنا فيه، ونأخذ من أيدي الناس؛ لأن هذه أثقال وفتنة ، وذاك للعباد فيه رحمة ونعمة ، ثم فارقني، فلم آره بعد ذلك(1).

ولا شك أن أحوال العارفين ومقاصدهم غامضة لطيفة، ولهم في جميع ذلك نيات شريفة: منها : مراعاتهم الأسباب التي شرعها الله عز وجل وأمر بتعاطيها، فهم يأتون بها امشالا للأمر، مع ما فيه من إظهار الفاقة، وما في عذم تعاطيها من استشعار الغنية عنها، ولثلا يعطلوا حكمة الله سبحانه وتعالى في مشروعية الأسباب .

الا ترى إلى ما روي عن بعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أن رجلا من قومه أصابه مرض، فوصف له دواء، فقال : لا أتداوى بهذا، فاوحى الله عز وجل الى ذلك النبي عليه الصلاة والسلام : (وعزتي وجلالي؛ لثن لم يتداو بما وصف له. . لا أبرته من الداء الذي هو فيه ، أيريد أن يعطل حكمتي في منافع الأشياء ؟!).

(1) الإحياء (209/4).

243

مجمع الأحباب وتذكرة أولي الألباب · الجزء ٣ · الصفحة ٢٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجمع الأحباب وتذكرة أولي الألبابج ٣ · ص ٢٤٣