============================================================ بها، فأخذها وتصدق بها في يومه ذلك، فلما كان بعد المغرب.، وجدوه يسأل ما يفطر عليه، فقيل له : هلا ادخرت منها شيئا لأجل الفطر؟ فقال : لم أعلم أني أعيش إلى هذذا الوفت.
وقد قدفنا أن حقيقة الزهد لا تصح إلا مع قصر الأمل، فالزاهد قد جعل الموت نصب عينيه لا يغفل عنه لحظة ، فهو يبادر إلى أعمال الطاعات، ويسارع إلى أنواع القربات، فكأنه يصحب الدنيا بغير أمل، ينتهب أوقاته نهبا ؛ لئلا تعطب أيام حياته : إذا غرف هذا. . ففعل أبي حفص رحمه الله يحتمل أن يكون من هذذا القبيل؛ فإنه حين يعمل بالدينار لا حاجة له به لكونه صائما، ولا يؤمل أن يعيش الى آخر النهار، ولا يرى أنه وز له حبسه عن مستحقه مع عذم احتياجه اليه حينثذ، فيتصدق به لهذا المعنين وليحصل له مع ذلك الجمع بين العبادة القاصرة والمتعدية، وهو في باقي نهاره مستغرق القلب بعبادة الله عز وجل، حتى إنه ينسى نفسه، فإنه ليس له هم ولا مقصود إلا ابتغاء رضوان الله عز وجل، فإذا جاء وقت الفطر. . رجعت إليه نفسه، فأحس بها، وطلبت ما به قوامها؛ لما علم من سنة الله في ذلك : ( وكن تجد لسنت الله تحويلا)، فحييذ يسال قدر حاجته، إما على طريق الإباحة إن لم يخش التلف، أو على طريق الوجوب إن خاف التلف حفظا لبقاء الروح، ومثل هذذا لا يتمارى في جوازه أو وجوبه؛ لقيام الإجماع علين جواز السؤال عند الحاجة وبقدر الحاجة هذذا مع ما ينضم إليه من الأسرار الشريفة والفوائد اللطيفة التي حصلت بالسؤال، وسأذكرها قريبا إن شاء الله عز وجل.
وقد قال سفيان الثوري وغيره من الأئمة رحمهم الله : من جاع فلم يسأل، فمات..
دخل النار.
ثم إن ذلك السؤال له ظاهر وباطن، يعبر عنه بالحقيقة والمجاز، ويختلف الحال فيه باختلاف أحوال السائلين وباعتبار مراتبهم: منهم : من إذا نزلت به فاقة .. أنزلها بالله عز وجل ظاهرا وباطنا، ولا يرى أن يسأل أحدا من المخلوقين، وانما يوجه سؤاله الى الله رب العالمين جلت عظمته، وهلؤلاء قسمان : منهم : من لا يسال لنفسه أيضا، وإنما يسأل لغيره من باب الشفقة والعطف عليه، أو لما يلزمه من آداء واجب قد تعين عليه 24