============================================================ -فأول ما يكشف له التقوى، فيظفر العبد بالصدق والإخلاص، ويستريح من غموم الدنيا وبلائها ، ويسير بضياء عقله بين عباد الله، فلا يتأذي به أحد من خلق الله.
ثم يكشف له باب الورع، فيتمكن من الصمت، ويموت فيه الطمع، ويحظى بالعلم : ثم يكشف له باب الزهد، فلا يبالي من أكل الدنيا، ولا ينازع فيها أهلها، ويترك ما فيها على من فيها.
ثم يكشف له باب القناعة، فيطيب عيشه بغناء قلبه ثم يكشف له باب الصبر، فتخمد نيران الشهوات، فيستريح ويزول عنه الهوى -ثم يكشف له باب التوكل، فيكفي بمولاه جل جلاله عمن سواه، ويطمئن قلبه عن ذكر الكفاية، وينقطع سره عن التقاضي: وقال الجنيد رحمه الله : اشتد البلاء برجل من العارفين حتى جر برجله إلى المزبلة، فرفع طرفه إلى السماء، فقال: أنا بعينك كما ترى، فافعل ماشئت، وحسبي ما تشاء، ثم قال : اذا التهام شكا شبوه فقد زال عن سنن المستهام فاين الكلوم التي في الحشا وأين تبرمه بالكلاء(1) وروى البيهقي عن ابراهيم بن شيبان قال : سمعت الجنيد يقول وسئل عن أول مقام التوحيد فقال : قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أن تعبد الله كأنك تراه "(2) .
ورئي الجنيد رحمه الله تعالى بعد موته في المنام ، فقيل له : ما فعل الله عز وجل بك ؟
فقال : عاتبني على كلمة سبقت مني، وذلك أن سنة من السنين احتبس عنا فيها المطر، فقلت مع الناس : ما أحوج الناس إلى المطر ، فقال الحق جل جلاله : ما يدريك أن الناس يحتاجون إلى المطر؟ تعلمني وأنا العليم الخبير ؟1 اذهب، فقد غفرت لك .
ومرض الجنيد، فوصف علته للطبيب، فقيل له : أليس هذا شكوي؟ فقال : لا، وإنما هذا إخبار عن قدرة القادر جل جلاله وقال الجنيد : مؤاكلة الإخوان رضاع ، فانظروا من تؤاكلون .
(1) الكلوم : الجروح (2) اخرجه البيهقي في والزهد* (350/2) .
145