============================================================ أي : فلا أشتغل بالدليل عن المدلول؛ لأن المدلول مقصود لذاته والدليل وسيلة إليه، ولا حاجة إلى الوسائل بعد حصول المقاصد، وهذا - كما قلنا - هو مشرب جميع العارفين رحمهم الله أجمعين وسادسها : يحتمل- والله أعلم- أن يكون ذلك لمعنى آخر غامض لطيف، صرح به الامام أبو القاسم الجنيد رحمه الله، وفعله في آخر عمره فيما حكاه عنه في كتاب ل بهجة الأسرار"، فإنه روى عن آبي الحسن علي بن محمد بن حاتم قال : لما حضر الجنيد الوفاة.. أوصى أن يدفن جميع ما هو منسوب إليه من علمه، فقيل له : ولم ذاك ؟ فقال : أحببت ألا يراني الله عز وجل وقد تركت شيئا منسوبا إلي ، وعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بين ظهرانيهم ويحتمل معنى آخر، وهو : أن يكون الباعث لأحمد ابن أبي الحواري رحمه الله على غسل تلك الكتب ما حكاه لي بعض الصالحين عن والده - وكان من علماء خراسان وصلحائها فاتفق أن كتبه غرقت، فجاء الناس إليه يأخذون بخاطره ويسلونه، وهو ساكت مطرق الرأس، لا يرفع رأسه إليهم، ولا يتكلم، وكانت له هيبة، فلم يجسر أحد على مخاطبته، ولا الكلام معه، وكان قاضي قضاة خراسان إذ ذاك من الحاضرين ، فأقدم على الشيخ، وأخذ في تسليته والكلام معه في ذلك، فرفع الشيخ رأسه وهو باك وقال : يا قاضي؛ والله ما ذهبت إلى حيث ذهبتم، ولا عندي ألم من أجل ذهابها ، وإنما الذي أهمني كأن لسان الحال يقول لي: أنت لا تعمل بما في هذذه الكتب فاغسلها، وإلا.. فهي حجة عليك، وحيث إنك لم تفسلها، ولم تعمل بها، وقد أمهلناك مدة طويلة. فقد غرنا عليها وغسلناها بالغرق.
فيجوز أن يكون أحمد ابن أبي الحواري رحمه الله لمح هلذا المعنى، وحاله - والله أعلم - إنما كان العلم والعمل بما في تلك الكتب، للكن العارف يبلغ في الدرجات إلى أقصاها، ولا ينزل نفسه تلك المنزلة، وإنما يرى نفسه في التقصير منغمسا، هذذا شأن العارفين، ومن تتبع أحوالهم. . وجد من ذلك شيئا كثيرا ، الا ترى إلى سيدنا الصديق الأكبر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بكر الصديق رضي الله عنه حيث قال : (قد وليت أمركم ولست بأخيركم ؟) قال الحسن البصري : بلى، والله هو خيرهم غير مدافع، ولككن المؤمن يهضم نفسه