تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

============================================================ والنصيحة له، فيقول له : امنع نفسك عن هذذا الأمر؛ لأنك تشتهيه، وهذا- كما قلنا- بمجرده تعليل عليل؛ لأن فرح النفس بالإمرة أمر جيلي لا يمكن دفعه، فالإمرة فضيلة، وكذلك الإمامة في العلم ، وميل النفس إلى هذذه الأشياء معين على تحصيلها، لا سيما في الابتداء؛ إذ لولا ذلك. . لما حصلت، ولا يمكن محو آثر هذذه الأشياء من النفس، فإن من تخيل أنه يمكن أن يجامع ولا يلتذ أو يحدث ولا يفرح بالرئاسة. . فقد تخيل الممتنع، وليس في وجود ذلك ما يضر بالدين أصلا، وإنما الذي ينبغي أن تكون المجاهدة فيه - كما تقدم - قضد دفع الرئاسة؛ كالعجب والكبر وغيرهما من الافات المانعة السالف ذكرها وأما أن العلم يترك تعليمه ونشره لمجرد شهوة النفس. فلا، فاعتمد ذلك واعرفه واعلم : أن جميع ما يشكل ظاهره عليك من قول أو فعل صدر عنهم.. فابحث عن صحته أولا، فإذا صح.. فاعلم يقينأ من حيث الجملة : أن ذلك إنما صدر عن محض التقوى وشدة الورع ثانيا، فإن هلؤلاء أئمة مججع على ولايتهم، فدقائق العلوم والورع يستتبطها العارف من أقوالهم وأفعالهم لكن إنما يقع له ذلك الاستنباط ومعرفة تلك الدقائق بعد الجهد الشديد والغوص التام ، وبعد أن يكون ممن أيده الله تعالى بتوفيق إللهي ومع ذلك فلا بدرك جميع ما أرادوه من فعل أو قول ؛ لما قلناه من غموض أفعالهم وأقوالهم ودقتها .

ألا ترى أن بشر بن الحارث لما زاره فتح الموصلي.. قام له، وقام ابن آخت بشر فأمسكه بشر بيده، ومنعه من إتمام القيام له، فلما انصرف فتح.. قال بشر لابن آخته: تدري لم منعتك من القيام له؟ قال : لا، قال : لأنه لم يكن بينك ويينه معرفة، فكان قيامك له لقيامي، فأردت أن يكون قيامك لله عز وجل خالصا.

وكذلك سفيان الثوري رحمه الله لبس ثوبه مقلوبا، فلما قيل له في ذلك.. مد يده ليصلحه، ثم أمسك، وقال: إني لبسته لله، فلا أصلحه لغير الله؛ يعني : للزينة.

وسهل التستري رحمه الله جاءه شخص في عشية عرفة وهو يحرث أرضا له، فساره بشيء، فقال : لا، فقيل له في ذلك، فقال : إنه عرض علي الحج في هذذا العام ، فقلت : لا أفعل، فقيل له : ما منعك ؟ قال : إني نويت أن أزرع هذذه الأرض لله عز وجل، فأخاف إن حججت معه لأجله . . أن يكون عملي لغير الله خالصا، فمقامي علين هلذه النية أفضل من كذا وكذا حجة .

وأبو القاسم الجنيد رحمه الله ورد عليه في وقت السماع وارد، فغئبه، فسقط طرف 589

مجمع الأحباب وتذكرة أولي الألباب · الجزء ٢ · الصفحة ٥٨٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجمع الأحباب وتذكرة أولي الألبابج ٢ · ص ٥٨٩