تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

============================================================ فقد اتفق الجميع - كما رأيت - على أن مراعاة دينهم أهم إليهم من كل شيء، فإن أخذوا.. عرفوا كيف يأخذون، وإن أمسكوا.. عرفوا كيف يمسكون، وإن امتنعوا..

عرفوا كيف يمتنعون، وإن أغطوا.. عرفوا كيف يعطون، كل ذلك فضل من الله ونعمة ، (والله يختض برخمتهه من يشكاء والله ذو القضلي العظيو} ونسأله من فضله العظيم أن يرزقنا ما رزقهم، إنه قريب مبيب وبالجملة : فأعمالهم سديدة، والوقوف على أسرار أعمالهم عزيز جدا، فلا يظن أن الوقوف عليها يدرك بالهويني، هيهات هيهات! إن ذلك لا مطمع لنا فيه، وما فهمناه فهو من بركاتهم، وهو كالقطرة من بحار أقوالهم وأفعالهم، رضوان الله عليهم أجمعين وجملة ما أقول - مما يشترك فيه الجواب عن المقامين، وهما: نشر العلم وتعليمه، والامتناع عن تناول الشهوات - : أن الأولى بالعالم رفض الدنيا ورفض كل ما يستغني عنه من المباحات؛ لئلا يستكثر منها، فيجره ذلك إلى الحرام، ولئلا يقتدي به من ليس عالما، فيستكثر منها، ولا يعرف كيفية استعمال العالم لها .

وهذذا كالطبيب الحاذق؛ فإنه قد يستعمل شيئا لا يضره؛ لمعرفته بكيفية استعماله، وفي وقت استعماله وقذره، ويستعمل الجاهل ذلك الشيء بعينه، فيضره؛ لعدم معرفته بكيفية استعماله وقذره.

على أن الاستكثار من المباحات يوجب الأنس بها والألفة لها، ولا تكاد تنال إلا بشبهات، وعند ذلك قد يورثه ذلك حب البقاء في الدنيا، ولهذا قالت رابعة العدوية رحمها الله لبعض العارفين : إذا كنت تشرب الماء المبرد وتاكل اللذيذ المطيب. . فمتى تحب القدوم على الله عز وجل: وهذا إنما قالته لشدة شوقها إلى لقاء الله عز وجل، فكل ما يقطع عن ذلك الشوق..

يجتهد العارف في إزالته، ولأجل هذا قلنا : إن مقاصدهم كالبحر، وهي- على كثرتها - غامضة لطيفة، وتحتها حكم شريفة، وإذا علم ذلك كله. . فقد علم أن شأن العارفين العزوف عن الدنيا وكل ما يقطع عن الله سبحانه وتعالى بكل طريق وبن هنا تعلم أن المباح لا يذم لعينه مطلقا، وإنما بتناول الشهوات والإكثار منها تحجب، فلذلك امتنع عنها العارفون، والله أعلم . [انتهن "الإحياء 97/39] .

مجمع الأحباب وتذكرة أولي الألباب · الجزء ٢ · الصفحة ٥٨٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجمع الأحباب وتذكرة أولي الألبابج ٢ · ص ٥٨٣