============================================================ قيام ليلة، وغيره يقوم إلى الصباح ولا يقدر أن يترك لقمة من عشائه وهذا كما قلنا : إن مواهب الله عز وجل لأوليائه لا تتحصر: وقد قال الإمام أبو بكر الشبلي رحمه الله : ما جعت لله يوما. . إلا رأيت في باطني من الحكمة والعبرة ما لم أره قبل ذلك: وقال بشر رحمه الله : إن الجوع يصفي الفؤاد، ويورث العلم الدقيق، وقال : طوبن لمن ترك شهوة حاضرة لموعد غيب لم يره: ومعلوم آن القلوب المعلقة بالشهوات محجوبة عن الله سبحانه وتعالى، ويأبى الله سبحانه وتعالى إلا أن يطهر بواطن أوليائه وقلوبهم عن جميع الشهوات ، فمنع من منع نفسه عن تناول شيء من الشهوات إنما كان لشيء من هذذه الأمور : إما باعتبار الجواز من جهة الحلال وعدم حصوله له واما باعتبار التقوى وشدة الورع اقتداء بالسلف الصالحين رضوان الله عليهم أجمعين أو بالاعتبارين جميعا.
أو لأنه رأى أن قلبه لا يصلح إلا بترك تلك الشهوة ، وصلاح قلبه عنده وعند كل ذي بصيرة.. متعين، فهو أهم اليه من تناول تلك الشهوة، والله عز وجل عند قصد عبده لا عند اصله واستعمال من استعمل بعض الشهوات إنما كان لزوال تلك الأعذار، بأن وجد الحلال، وراي أن قلبه يصلح على ذلك، ومع ذلك فإنه لا يسرف فيه ، بل يكون مقتصدا ؛ محافظة على قوله تعالى : ( وألذيب إنا أنفقوأ لم يسزفوا ولم يقثروا وكان بي ذللك قواما) وقوله صلى الله عليه وسلم : "البذاذة من الإيمان "(1)، مع قوله صلى الله عليه وسلم : " إن الله جميل يحب الجمال *(2).
ومن استقرا صنيع العارفين سلفا وخلفا وأحوالهم وأقوالهم. . علم ذلك يقينا .
الا تري أن الحسن البصري ومن هو على مشربه من القوة والتمكين؛ كسفيان الثوري وغيره ياكل كل واحد منهم ما وجد من قليل وكثير، ولا يرون الامتناع من ذلك ؛ لأن (1) أخرجه الحاكم (51/1)، والبداذة : رثاثة الهيية .
(2) اخرجه مسلم (41)