============================================================ فتووع بشر عن إسماع الحديث قد يكون لذلك ، ولهاذا قال : لا تطلب علما تهينه للناس؛ أي: تريد به الناس (1)، هذا هو الداء الاكبر، ويمتزج هذا بعذر آخر، وهو قصد السباهاة والمماراة مع قصد الدنيا، وكل ذلك بمفرده من السموم القاتلة، ففرار العارف منها أشد من فراره من الأسد : ومنها : آن هم العارف ومقصوده كله إنما هو الله سبحانه وتعالى، فكل ما يقطعه عن ذلك. . يجتهد في إزالته ودفعه عنه بكل طريق، وأقوال العارفين وأحوالهم دلت على ذلك دلالة واضحة الا ترى إلى قول غير واحد من العارفين، منهم : أبو الحسين النوري رحمه الله قال : أعلى مقامات الحقائق . . الانقطاع عن العلاثق.
وقال قبله أبو سليمان الداراني رحمه الله : كل ما شغلك عن الله عز وجل من أهل ومال وولد.. فهو عليك مشؤوم والله عز وجل يختص برحمته من يشاء، فوهب لبعض عباده، وأفاض عليهم من العرفان بحسب ما شاء وأراد، فرب شخص لا يقطعه الاشتغال بالتعليم عن الله تعالى - وهذذا حال الاكثرين ورب شخص يقطعه الاشتغال بالتعليم عن الله تعالى) فإن مواهب الله سبحانه وتعالى لأوليائه وتمكينهم لا تتحصر، ودرجاتهم متفاوتة، فلذلك اختلفت مشاربهم، ومعلوم أن أعمالهم غامضة لطيفة، يحاسبون أنفسهم على الحركات والسكنات والخطوات والخطرات، حتى آن يحيى بن يحيى النيسابوري رحمه الله شرب دواء لضعف أصابه، فلم يجبه(2)، فقالت له امرأته : لو ترددت في الدار خطوات ؟ فقال : لي أربعين سنة ما أمشي إلا فيما أحتسبه، وهذه المشية لا أدري ما هي: فلا يأتون عملا إلا بنية، والنية ليست مما يحصل وجودها في كل وقت، فقد تصح وقد لا تصح، ومعرفة ذلك والوقوف على تحصيل النية وعزة تحصيلها وأسرارها.. قد استوفيته في ترجمة الإمام حاتم الأصم رحمه الله فلتطلب منه ويعمل بمقتضاها، فيتضح المقصود ان شاء الله تعالى: ومنها : عذر آخر خاص، وهو مشرب جميع الصحابة وكثير من الأئمة التابعين لهم (1) أي : بذل العلم طلبا لأمور دنيوية.
(2) أي : لم ينفعه.