============================================================ فإذا وقف العامي على ظاهر هذا.. ظنه خلاف الأولى ، وربما يزيد في الغباوة، فيظته غير مباح، والبصير يعرف أن ذلك من محض التقوى وشدة الورع ، بيان ذلك في مقامين، أحدهما : في جانب التعليم، وثانيها : في عدم تناول بعض الشهوات.
أما الأول : فلهم في ذلك أعذار : منها : خشية العجب وغير ذلك، ويرون أن غيرهم يقوم بذلك فلا يتعين عليهم، ولهذا قال بشر رحمه الله : المحدثون كثير، فعلل بأن هذذا لا يتعين علي، وخشي على نفسه العجب أو غيره، فأحجم عن اسماع الحديث لذلك، ولا شك أن للنفس دفينة في نشر العلم، فلهاذا يتبغي للعالم أن يجاهد نفسه ويدفع عنها الأسباب المؤدية إلى العجب وغيره ؛ لئلا يلحقه الاثم الكبير، والعارف - لشدة خوفه وورعه - يمتنع عن كثير من أعمال البر؛ خشية أن يدخل عليه ما يفسد عمله ، فلا يفي الربح(1) بالخسران، فلا يأتي إلا عن بصيرة، ولا يذر إلا عن بصيرة، هلكذا شأن العارفين؛ ليحصل لهم الإخلاص الذي هو سر العبادة وروحها، فتصفو لهم المعاملة مع الله عز وجل، وتصلح لهم قلوبهم، لأن بصلاحها صلاح الجسد كله؛ كما جاء في الحديث الثابت في الصحيح (2) : وتخلص الأعمال على العمال أشد عليهم من العمل، ومن تتبع أحوال العارفين وأقوالهم سلفا وخلفا. . وجدها على ذلك، وهذذا باب غامض لا يدركه إلا البصير الناقد من سماسرة(2) العلماء: ومما يدل على أنه قصد هاذا المعتى : ما رواه الخطيب عن أيوب العطار قال : سمعت بشرا يقول : حدثنا حماد بن زيد ، ثم قال : أستغفر الله، إن لذكر الإسناد في القلب لاء ومنها - وقد علل به بشر- : أنه ينبغي أن يعمل بما علم أولا، ثم بعد ذلك يعلم ثانيا، والا. . يكون حجة عليه، والعارف كلما ازداد علما.. ازداد وجع(4) ولهذا قال سفيان الثوري رحمه الله : لولم أتعلم هذذا العلم كله . . لكان أقل لحزني، وكلما ازددت علما. . ازددت وجعا، ولا شك أن حجة الله عز وجل على العالم أقوى منها على غيره: (1) في نسخة : (الورع).
(2) البخاري (52).
(3) السمسار : القيم بالأمر، الحافظ له (4) في نسخة : (ورعا):