============================================================ المسجد، فإذا صلى ورجع.. يجد قد سرق له سكة أو فأس أو مسحاة، هذكذا دائما ، فعاتبه بعض إخوانه، فقال له : لو اتخذت أجيرا يحفظ عليك الحانوت عند الصلاة ؟ فقال : ليس على ما حفظه الله عز وجل ضيعة وكان كثيرا ما يقول سالم لحشيش : ما تشتهي؟ فيقول حشيش : أشتهي ألا يكون بأرض الموصل أهل بيت آفقر منا، ونرزق الصبر على ذلك، فنموت كراما، ونحن عن الله عز وجل راضون، فقال له سالم : تدري أي شيء تشتهي؟ أنت تشتهي أن تكون من أولياء الواحد القهار، ومرافقة الأبرار، ومن لا يشتهي الفقر - يا حشيش - والصبر عليه ؟1 فقال : ويحك يا سالم! ربما أصاب أهلي من خفض العيش شيء فتبكي عيالنا ويقولون : يا أبت؛ ما هذا الطرد ؟ ما نرى هذا الخير يراد بك ولا يراد بنا: وكان حشيش رحمه الله صيادا، وربما مكث الأيام لا يصطاد شيئا ، فيروح من العشي وبه من السرور الظاهر، حتى كانه قد حمل إليه خراج الجزيرة وكانوا يظلون الليالي الكثيرة بلا عشاء، فاجتمعت أنا وسالم وهو مرة، فقلت : يا أبا محمد؛ بلغني أنكم ربما طويتم الليالي بغير عشاء، فسكت حشيش ولم يرد علينا، وغضب سالم، فقال: مه مه، وما عسى آن يكونوا فيبيتوا جياعا بلا عشاء طاوين، ان باتوا طاوين. فقد بات من هو خير منهم الليالي الكثيرة طاويا هو وأزواجه صلى الله عليه وسلم، وهو خير الخلق صلى الله عليه وسلم، وذلك مدخور لهم في الأخرة، ثم قال : يابن آخي؛ أفيريد حشيش آن يكون هو وأهله وعياله مثل البهائم ، همتهم بطونهم وفروجهم ؟!
وقال فتح: إني لأفرح بما منعني الله عز وجل من الدنيا أعظم مما آتاني منها، وينبغي للعبد آن يشهد عظيم منة الله عز وجل عليه في المنع من عروض الدنيا والحماية عنها، وما الدنيا ؟1 وهل في الدنيا من خير إلا ما اتصل العبد به إلى الآخرة ؟! وإن الفقر ليغشى المؤمن فيستبشر لذلك قلبه ويفرح به فؤاده ، ولهو أشد فرحا منه بكل ما رزق من غرور الدنيا ومتاعها ؛ لأن الله عز وجل قال : ( وما الحيرة الدنيا في الآخرة إلا متنع) . وقال تعالى : فلا تضركم الحيوة الدنيا ولا يغرنكم بالله الضرور) ، فأي نفس تطمئن إليها بعد أن أخبر الله عز وجل عنها بهذا ؟! والله أعلم. انتهى وقال أبو الفرج : قال بشر : قال فتح : من أدام النظر بقلبه. . أورثه ذلك الفرح بالمحبوب، ومن آثره على هواه.. آورثه ذلك حبه إياه، ومن اشتاق إليه وزهد فيما سواه