============================================================ أما علمت أن لله عز وجل عبادا قطعهم الجزع عن كلف الألسن، فكلت ألسنتهم من غير عي عن محاسن الوصف لخوف العقاب، واغتبطوا عند الله عز وجل، وإن حاجة أحدهم لتتردد في صدره، ولا يأذن لنفسه في إطلاقها؛ خوفا من شر نفسه، فأصبحوا - مع حسن هذه الصفة - في الدنيا محزونين مغمومين، عقول صحيحة، ويقين ثابت، والسن ذاكرة، وأرواح في الملكوت سارحة، ثم ولى، وهو يقول : أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت ولم تخف سوء ما يأتي به القدر وسالمتك اللبالي فاغتررت بها وعند صفو الليالي يحدث الكدر وقال في "لوامع أنوار القلوب" : روي عن الفضيل بن عياض قال : كنت في بعض أسفاري ومعي جماعة، فمطرنا أياما فآوينا إلى غار من المطر، فأظهر بعض من كان معي ضجرا بالحال، وإذا بصوت من داخل الغار يقول : استح يا بطال، واجمع قلبك بالرضا، ولا تقسمه على الاعتراضات ؛ فإنها فضول، وهو فعال لما يريد سبحانه وتعالى، فتأملته؛ فاذا هو شيخ عليه خلع الرضا والقبول، فاستحييت وتأدبت، وانصرفت.
وقال الفضيل : حقيقة المحبة. . ايثار المحبوب على الكونين في القرب والبعد، ولهاذا سئل بعضهم عن معنى التقوى فقال : هو إيثار الحق في جميع الأحوال، فتراعي الحق على جلاله في غير القبلة كما تراعيه في حال الخدمة في القبلة؛ فإنه سبحانه وتعالى بالمرصاد في القرب والبعد، ولهلذا قال أبو عبد الله المغربي : من ادعى العبودية وله مراد باق.. فقد كذب في دعواه، وإنما تصح العبودية لمن آفتى مراداته وهواه، وقام بمراد مالكه وسيده ومولاه- أعني : أوامره ونواهيه جل جلاله- سواء أبعده أو أدناه ، أو طرده أو آواه: وقال الفضيل: من شرط المحبة. إخفاء المحبة والمحبوب في ابتداتها، ثم اشتهار المحبة والمحبوب في انتهائها (1) ، ألا ترى إلى زليخا ؟ قالت في الابتداء : ( ما جزاه من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب ألي ، فلما تناهت المحبة. . كشفت قناع أستارها ، فنادت على نفسها بنفسها ، قالت : ( القن حصحص الحق انا رودنه عن نفيه وانه لمن الصكرقيب) وقال أيضا : المحبة : الرضا على الأحوال جميعها، والأ يبقى للمحب مراد ولا تصرف.
(1) في النسخ : (أثنائها)