============================================================ جلس، فقال له يحي : يا أبا عبد الله؛ إن أمير المؤمنين إنما جاء بك ليسر بقربك، ويكون ابنه المعتز في حجرك.
وأخبرني بعض الخدام : أن الخليفة المتوكل كان جالسأ من وراء الستر، فلما دخل إلى الدار؛ قال المتوكل لأمه : يا أماه؛ قد أنارت الدار، ثم جاء خادم بمنديل، فأخذ يحيى المنديل، وأخرج منه مبطنة فيها فميص، فأدخل يده في جيب القميص والمبطنة، ثم أخذ بيد أبي وأقامه، ثم أدخل جيب القميص والمبطنة في رأسه، ثم أدخل يده، فأخرج يده اليمنى ثم اليسرى وأبي لا يحرك يده، ثم أخذ قلنسوة، فوضعها على رأسه وألبسه طيلسانا والحفه به، ثم قام أبي وخرج، فلما وصل إلى منزله؛ نزع الثياب وجعل يبكي، ويقول: قد سلنت من هلؤلاء منذ ستين سنة، حتى إذا كان آخر عمري؛ بليت بهم، ما أحسبني سلنت من دخولي على هذذا الغلام، فكيف بمن يجب علي نصحه من حين تقع عيني عليه إلى أن أخرج من عنده ؟! ثم إن أبي أرسل الثياب إلى بغداد لتباع ويتصدق بثمنها، وقال : لا تشتروا منها شيئا ، ثم إنه علم أن الدار التي هو نازل فيها لإيتاخ، فقال لي : اكتب إلى محمد بن الجراح ليستعفي لي من هذه الدار، فكتب رقعة، فلما بلغ الخليفة ؛ أعفاه منها، ثم اكثريت لنا دار غيرها، وأجري لنا مائدة وبلح، وضرب الخيش ، وفرش الطبري(1) ، فلما رأى أبي ذلك؛ نحى نفسه عن ذلك الموضع، ثم اشتكت عيناه، ثم برئت سريعا، فقال : ألا تعجب؟ كانت عيني اذا اشتكت؛ تمكث مدة حتى تطيب، والآن قد برئت سريعا وكان إذا جيء بالمائدة ؛ توضع في الدهليز؛ لثلا يراها، فياكل من حضر: وكان إذا جهده الحريبل خرقة ويضعها على صدره ، وفي كل يوم يوجه الخليفة ابن ماسويه الطبيب، فينظر إليه، ويقول له : يا أبا عبد الله؛ إني أميل اليك والى أصحابك وما بك علة، والضعف الذي بك من قلة الدو(2)، وكانوا يجيئون اليه بالشراب الذي يوصف له فلا يشربه، وبقي يعقوب وغياث يترددان إليه ويقولان له : إن أمير المؤمنين يقول لك : ما تقول في ابن آبي دؤاد ؟ وما تقول في ماله ؟ فلا يجيب على ذلك بشيء، وجعلا يخبرانه بما يحدث في آمر ابن آبي دؤاد كل يوم ، ثم إن ابن آبي دؤاد أخذ الى بغداد بعد أن أشهد عليه ببيع ضسياعه وسائر آملاكه.
(1) الفرش الطبري : نوع من البسط والفرش الثمينة، نسبة إلى طبرستان
(2) اللؤ: اللبن ، ولعل المراد والله أعلم : أنه مرض من قلة السوائل : 69