============================================================ والثالثة : محانفسه، فأثبته الله عز وجل وقد حكي: آنه وجد تحت فراش الشافعي رحمه الله لما مات التفويض إليه بقضاء مصر من الخليفة المأمون ، وأنه لم يقبل الولاية، ولا أظهر الرد ، وأخفى التفويض.
فانظر إلى هذذا المقصود العظيم الذي فعله من الرد وإخفاء الرد، وما فيه من تقوى الله عز وجل، والإخلاص بأعماله كلها لله سبحانه وتعالى، والله أعلم .
واعلم : أن هلذا العلم الذي يؤخذ عنه - وقد ملأ الدنيا شرقا وغربا - صنفه في أربع سنين أو نحوها؛ لأن كتبه القديمة رجع عنها، وكتبه الجديدة هي التي صنفها بمصر، ومقامه بمصر إنما كان هذذه المدة وقد قيل : إن الحكمة من قصر عمر الشافعي رحمه الله - والله أعلم -: أنه لو طال عمره.. لارتفع الخلاف؛ إذ كان يرجع خلائق عن مذاهبهم إلى مذهبه، وهلكذا هكذا فيرتفع الخلاف، للكن ما شاء الله. كان، وما لم يشأ.. لم يكن، وللإمام الشافعي رحمه الله في هذا المعنى أبيات، فمنها قوله : فما ششت كان وإن لم أشأ وما شئث إن لم تشأ لم يكن خلقت العباد علن ما أردت فمهم شقي ومنهم حسن على ذا مننت وهلذا خذلت وهذا أعنت وذا لم تعن وجملة ما أقول : إنه كان في عصره إمام الأنام، ونظام الإسلام، أحد الأئمة الأربعة الأطواد، أفضل العلماء، وأعلم الفضلاء، وصدر البدور، وبدر الصدور، وهادي الدعاة، وداعي الهداة، عقائد الأصول منقدحة من زناد كلماته، وقواعد الفروع مقترحة من عداد نغماته (1)، فاز بطهارة الأعراق، ودماثة الأخلاق، درة الأصداف، وغرة الألطاف ، من صميم آل عبد مناف، كشف الغمة عن الأمة، وصرف عنهم الملمة المدلهمة(2)، بعلم كالبحر اللجي، ورأي كالبدر في الليل الدجوجي (3) ، مذهبه مؤئد بنصوص القرآن وسنة سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم، قد أسس بنيانه على تقوى من الله عز وجل (1) في نسخة : (مشخبة من عداد نعمائه) (2) المذلهعة : المظلمة .
(3) الدجوجي : من التجة، وهي شدة الظلمة في الليل .
199