============================================================ ورضوان، واتفق كل من قرب من الإنصاف، وبعد عن الاعتساف من الأئمة العالمين العاملين، والعلماء الراسخين الربانيين، أنه المعني في الحديث الثابت من غير ما طريق، منها: ما رواه وهب بن كيسان، عن آبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم آنه قال : "اللهم: اهد قريشا، فإن عالمها يملأ طباق الأرض علما" إنما هو الشافعي رحمه الله، المطلبي، سيد فقهاء عصره، وما راموا شططا، ولا حاولوا فرطأ، بل قالوا حقا، وفاهوا صدقا، وتبين ذلك لمن نظر بالاستدلال، وبصر بالاستقلال، وتيقن آن العلماء القرشيين من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم آجعين، كانت هممهم مقصورة في الاجتهاد على إعلاء كلمة الله العليا في الغزو والجهاد، ولم يرزقوا خلو بال، ولا نمو حال، ولا فراغا للتصدي للتصنيف والتدريس، ولا للتحري لنشر ما عندهم من فنون العلم وتشييد قواعده والتأسيس، وإنما يذكر عنهم مسائل معدودة من قضايا مقصودة وحوادث مشهودة ، وهي غيض من فيض ، وهلم جرا إلى زمان الشافعي رحمه الله، فلما آن أوانه، وبرق للشائمين (1) بروقه، وشرق للناظرين شروقه ، وهدرت شقاشق فصاحته(2)، وزهرت شقائق صباحته، وكشفت أستار الأسرار علوثه، وغرفت في دقائق الحقائق رسومه.. فاق العالمين فطنة وذكاء، وصارت المشكلات بإيضاحه منحلة العقد منقلة العدد، وعاد ليل المعضلات المسدف (3) المغدر(4) بأنوار أدلته كالنهار المشرق المسفر، رموزه مفاتيح الكنوز، وكنوزه مصابيح الرموز، دلائله نفائس الأدلة ، وفضائله عرائس الأكلة(5)، نشر العلوم الشرعية، وطوى الرسوم البدعية، وانتشر مذهبه في الافاق، فصار كالنور في الأحداق، بلغ في غلواء (1) الشباب رتبة الاجتهاد ، بملابسة الجد والاجتهاد، مصنفاته في علوم التوحيد، ومؤلفاته في قواعد الفقه والتمهيد، وأماليه في الأصول والفروع، وأحكام (1) الشائم : الذي بنظر البرق من بعيد ، ويرى أين يقصد، وأين يمطر.
(2) الهدير : ترداد الصوت، الشقاشق : جمع شقشقة، وهي : شيء كالرثة يخرجه البعير إذا هاج، ثم بعد ذلك شبهوا الخطيب المكثار البليغ به فقالوا : الخطباء الشقاشق (3) الدف : السظلم (4) المغدر : المظلم.
(5) اي: كالمرانس المخياة تحت الاكلة ، والأكلة : جمع إكليل، وهو : ما يوضع على رأس العروس ليلة عرسها ، وهو هنا كناية عن المسائل التي أتى بها الإمام الشافعي : (1) فلواء الشباب: أوله وسرعته.