============================================================ فسمعته يقول : "أقروا الطير على مكناتها "(1)، فقال الشافعي رحمه الله : إن العرب كان أحدهم إذا غدا من منزله يريد أمرا. . نظر أول طائر يراه، فإن سنح عن يساره، فاجتاز عن يمينه.. قال : هذذا طير الأيامن، فمضى لحاجته، ورأى أنها ستنجح، وإن سنح عن يمينه، فمر على يساره.. قال : هذا طير الأشائم، فيرجع، ويقول : هذذه حاجة مشؤومة، وكان العربي في الجاهلية إذا لم ير طائرا سانحا، ورأى طيرا في وكره.. حركه من وكره؛ ليطير فينظر أيسلك طريق الأيامن أم طريق الأشائم ، فيشبه أن يكون ذلك معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم : "أقروا الطير على مكناتها" أي : لا تحركوها؛ فإن تحريكها وما تعملون به من الطيرة لا يصنع شيئا، وإنما يقع لكم فيما توجهون له ما قضاه الله عز وجل: وقد سثل النبي صلى الله عليه وسلم عن الطيرة، فقال : " إنما ذلك شيء يجده أحدكم في نفسه، فلا يصدنكم"(2).
وكان ابن عيينة رحمه الله بعد ذلك إذا سثل عن تفسير هذذا الحديث. . يفسره على نحو ما فسره الشافعي قال ابن مهاجر : سألت الأصمعي عن تفسير هذذا الحديث، فقال مثل ما قال الشافعي رحمه الله، قال: وسألت وكيعا، فقال : إنما هي عندنا على صيد الليل، فذكرت له قول الشافعي، فاستحسنه، وقال : ما ظننته إلا على صيد الليل: وقال أبو عثمان الخوارزمي : حدثنا أبو عبد الله التستري، عن أبي ثور قال : لما ورد الشافعي العراق.. جاءني حسين الكرابيسي- وكان يختلف معي إلى أصحاب الرأي - فقال : قد ورد رجل من أصحاب الحديث يتفقه، فقم بنا إليه، فذهبنا حتى دخلنا عليه، فسأله الحسين عن مسألة، فلم يجبه عنها إذ ذاك، واندفع يتكلم في العلم، فلم يزل الشافعي (1) اخرجه بنحوه أبو داوود (2835) ، والحاكم (265/4) عن أم كرز رضي الله عنها، وجاء من غير وجه : "أقرؤوا الطير على وكناتها" .
والمكنات في الأصل : بيض الضب ، ويجوز أن يستعار مكن الضباب فيجعل للطير، وقيل : المكنات : بمعنى الأمكنة، ويروى " مكناتها" بنفس المعنى ! أي : مكان ، وقيل المكنة : من التمكن ، كالطلبة والثبعة، من التطلب والشبع ، فكأن من ينفر الطير يطلب ويشبع ما ستفعله الطير.
وأما الؤكن : فهو عش الطائر ووكره ، وقيل : الوكنات : مواقع الطير حيثما وقعت .
وحاصل الكلام : أنه يجوز فيها الوجهان، والله أعلم 2) اخرجه بنحوه مسلم (537).