تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وزاد المكيين حرصا على مكانة مدينتهم ما كانت تتيحه لهم من رخاء وترف على أوسع صورة يستطيع الذهن تصورها للترف في هذه الجهة الصحراوية البلقع الجرداء. فقد كان لأهلها غرام بالنبيذ أي غرام، وكانوا يجدون في النشوة به نعيما أي نعيم! نعيما يسر لهم أن يطلقوا لشهواتهم أعنتها، وأن يجدوا في الجواري والعبيد الذين يتجرون فيهم والذين يشترونهم متعا تغريهم بالمزيد منها، ويغريهم ذلك بالحرص على حريتهم وحرية مدينتهم، وباليقظة للذود عن هذه الحرية ودفع كل معتد أثيم تحدثه نفسه بالعدوان عليها.

ولم يكن شيء أشهى إليهم من أن يجعلوا سمرهم وشرابهم في سرة المدينة حول بناء الكعبة. وهناك إلى جانب ثلاثمائة صنم أو تزيد، لكل قبيلة من قبائل العرب بينها صنم أو أكثر، كان أكابر قريش والمقدمون من أهل مكة يجلسون؛ يقص كل منهم أمر ما اتصل به من أخبار البادية واليمن وجماعة المناذرة في الحيرة والغساسنة في الشام مما ترد به القوافل أو يتناقله سكان البادية. وكان ذلك يصل إليهم على سبيل الرواية تتناقلها قبيلة عن قبيلة، وكأن كل قبيلة لها مذيع وملتقط لاسلكي يتلقى الأنباء ويذيعها. يقص كل ما اتصل به من أخبار البادية ويروي روايات جيرانه وأصحابه ويشرب نبيذه ويعد نفسه بعد سمر الكعبة لسمر أكثر إشباعا لأهوائه وإمتاعا لشهواته.

وتطل الأصنام بعيونها الحجرية على مجالس السمر هذه، وللسامرين فيها من الحماية أن جعلت الكعبة بيتا حراما ومكة بلد آمنا، وللأصنام على السامرين ألا يدخل مكة كتابي إلا أن يكون أجيرا لا يتحدث بشيء من أمر دينه ومن أمر كتابه؛ ولذلك لم تكن ثمة جاليات من اليهود كما كانت بيثرب، ولا من النصارى كما كانت بنجران. بل كانت كعبتها قدس أقداس الوثنية تحميها من كل مجدف في أمرها، وتحتمي بها من العدوان عليها. وكذلك استقلت مكة بنفسها كما كانت تستقل قبائل العرب بنفسها، ولا ترضى لغيرها عليها سلطانا، ولا ترضى من استقلالها بديلا ولا تعنى من الحياة بغير هذا الاستقلال في حمى أوثانها؛ لا تضار قبيلة قبيلة أخرى، ولا تفكر طائفة من القبائل في الارتباط لتكون جماعة قوية لها ما للروم أو للفرس من مطامع في السيادة والغزو، ومن ثم ظلت القبائل جميعا ولا كيان لها غير كيان البداوة تنتجع في ظلاله المرعى، وتعيش في كنفه عيشا خشنا، يحببه إليها ما فيه من استقلال وحرية وأنفة وفروسية.

وكانت منازل أهل مكة تحيط بدارة الكعبة، تقترب منها أو تبتعد عنها تبعا لما لكل أسرة وفخذ من جلال خطر وجليل مقام؛ فكان القرشيون أقربهم إليها دارا وأكثرهم بها اتصالا، كما كانت لهم سدانتها وسقاية زمزم وكل ألقاب التشريف الوثنية التي قامت في سبيلها حروب، وانعقدت من أجلها أحلاف، وضعت من أجلها بين القبائل معاهدات صلح كانت تحفظ في الكعبة تسجيلا لها، وإشهادا لآلهتهم على ما فيها حتى تنزل غضبها بمن يخل بتعهداتها. وفيما وراء منازل قريش كانت تجيء منازل القبائل التي تليها في الخطر، ثم تلي هذه منازل من دونهم، حتى تكون منازل العبيد والخلعاء المستهترين. وكان النصارى واليهود بمكة عبيدا. كما قدمنا، فكان مقامهم بهذه المنازل البعيدة عن الكعبة المتاخمة للصحراء؛ ولذلك كان ما يتحدثون به من قصص دينية عن النصرانية واليهودية بعيدا عن أن يتصل بسمع أمجاد قريش وأشراف أهل البلد الحرام. وأتاح لهم بعده أن يصموا دونه آذانهم. كما جعله بحيث لا يشغل بالهم، وهم قد كانوا يسمعون مثله أثناء رحلاتهم كلما مروا بدير من الأديار أو صومعة من الصوامع.

على أن ما بدأ يقال يومئذ عن نبي يظهر بين العرب قد أخذ يقض بعض المضاجع. ولقد عتب أبو سفيان يوما على أمية بن أبي الصلت كثرة تكريره لما يذكره الرهبان من هذا الأمر. وربما كان من حق أبي سفيان يومئذ أن يقول لصاحبه: إن هؤلاء الرهبان إنما يتحدثون من ذلك بما يتحدثون لأنهم في جهل من أمر دينهم. فهم في حاجة إلى نبي يدلهم عليه؛ أما ونحن نتخذ الأصنام ليقربونا إلى الله زلفى فلا حاجة بنا إلى شيء من هذا؛ ويجب علينا أن نحارب كل حديث من مثله. كان من حقه أن يقول هذا؛ لأنه في تعصبه لمكة ووثنيتها لم يكن يقدر أن ساعة الهدى بالباب، وأن نبوة محمد عليه السلام اقتربت، وأن من بلاد العرب الوثنية المتدابرة سيضيء العالم كله نور التوحيد وكلمة الحق.

حياة محمد · الصفحة ٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

حياة محمدص ٥٢