وكان عبد الله بن عبد المطلب فتى وسيما جميل الطلعة. وكان أوانس مكة ونساؤها معجبات لذلك به، وزادهن به إعجابا حديث الفداء والمائة من الإبل التي لم يرض هبل بما دونها فداء له، لكن القدر كان قد أعد عبد الله لأكرم أبوة عرفها التاريخ، وأعد آمنة بنت وهب لتكون أما لابن عبد الله؛ لذلك تزوجها ولم تك إلا أشهر بعد زواجه منها حتى مات، لم ينجه من الموت فداء أيا كان نوعه. وبقيت آمنة من بعد لتلد محمدا ولتموت وما يزال طفلا.
ونضع أمام نظر القارئ رسما توضيحيا لشجرة النسب النبوي مبينا عليها أقرب التواريخ لميلاد أصحابها.
الفصل الثالث
| محمد: من ميلاده إلى زواجه
(زواج عبد الله من آمنة - وفاة عبد الله - مولد محمد - رضاعه في بني سعد - قصة الملكين - مقامه خمس سنوات بالبادية - موت آمنة - كفالة عبد المطلب إياه - موت عبد المطلب - كفالة أبي طالب إياه - خروجه إلى الشام في الثانية عشرة من عمره - حرب الفجار - رعيه الغنم - خروجه في تجارة خديجة إلى الشام - زواجه بخديجة) ***
كان عبد المطلب قد جاوز السبعين أو ناهزها حين حاول أبرهة مهاجمة مكة وهدم البيت العتيق. وكان ابنه عبد الله في الرابعة والعشرين من سنه. فرأى أن يزوجه، فاختار له آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة سيد بني زهرة إذ ذاك سنا وشرفا. وخرج به حتى أتى منازل بني زهرة ودخل وإياه عند وهب وخطب إليه ابنته. ويذهب بعض المؤرخين إلى أنه إنما ذهب إلى أهيب عم آمنة؛ لأن أباها كان هلك وكانت هي في كفالة عمها. وفي اليوم الذي تزوج عبد الله فيه من آمنة تزوج عبد المطلب من ابنة عمها هالة، فأولدها حمزة عم النبي وضريبه في سنه.
وأقام عبد الله مع آمنة في بيت أهلها ثلاثة أيام، على عادة العرب حين يتم الزواج في بيت العروس. فلما انتقل وإياها إلى منازل بني عبد المطلب لم يقم معها طويلا، إذ خرج في تجارة إلى الشام، وتركها حاملا، وتختلف الروايات في أمر عبد الله وهل تزوج غير آمنة، وهل عرضت عليه نساء غيرها أنفسهن. والوقوف لتقصي أمثال هذه الروايات لا غناء فيه. وكل ما يمكن الاطمئنان إليه أن عبد الله كان شابا وسيما قويا؛ فلم يكن عجبا أن تطمع غير آمنة في الزواج منه. فلما بنى بها تقطعت بغيرها أسباب الأمل ولو إلى حين. ومن يدري، لعلهن قد انتظرن أوبته من رحلته إلى الشام ليكن زوجات له مع آمنة. ومكث عبد الله في رحلته هذه الأشهر التي يقتضيها الذهاب إلى غزة والعود منها، ثم عرج على أخواله بالمدينة يستريح عندهم من وعثاء السفر ليقوم بعد ذلك في قافلة إلى مكة؛ لكنه مرض عند أخواله فتركه رفاقه؛ حتى إذا بلغوا مكة أخبروا أباه بمرضه. ولم يلبث عبد المطلب حين سمع منهم أن أوفد الحارث أكبر بنيه إلى المدينة ليعود بأخيه بعد إبلاله. وعلم الحارث حين بلغ المدينة أن عبد الله مات ودفن بها بعد شهر من مسير القافلة إلى مكة، فرجع أدراجه ينعى أخاه إلى أهله ويثير من قلب عبد المطلب ومن قلب آمنة هما وشجنا، لفقد زوج كانت آمنة ترجو في حياته هناءة وسعادة. وكان عبد المطلب عليه حريصا حتى افتداه من آلهته فداء لم تسمع العرب من قبل بمثله.
وترك عبد الله من بعده خمسة من الإبل وقطيعا من الغنم وجارية هي أم أيمن حاضنة النبي من بعد. ربما لا تكون هذه الثروة مظهر ثراء وسعة؛ لكنها كذلك لم تكن تدل على فقر ومتربة. ثم إن عبد الله كان في مقتبل عمره، فكان قديرا على الكسب والعمل والبلوغ إلى السعة في المال؛ وكان أبوه ما يزال حيا فلم يؤل إليه شيء من ميراثه.
وتقدمت بآمنة أشهر الحمل حتى وضعت كما تضع كل أنثى. فلما تم لها الوضع بعثت إلى عبد المطلب عند الكعبة تخبره أنه ولد له غلام. وفاض بالشيخ السرور حين بلغه الخبر، وذكر ابنه عبد الله وقلبه مفعم بالغبطة لخلفه، وأسرع إلى زوج ابنه وأخذ طفلها بين يديه، وسار حتى دخل الكعبة وسماه محمدا. وكان هذا الاسم غير متداول بين العرب، لكنه كان معروفا. ورد الجد الصبي إلى أمه وجعل وإياها ينتظر المراضع من بني سعد لتدفع الأم بوليدها إلى إحداهن، على عادة أشراف العرب من أهل مكة.