تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أدت مكانة مكة ومقام بيتها الحرام إلى إقامة بعض البلاد البعيدة معابد فيها لعلها تصرف الناس عن مكة وعن بيتها. فأقام الغساسنة بيتا بالحيرة. وأقام أبرهة الأشرم بيتا باليمن. فلم يغن ذلك العرب عن بيت مكة ولا هو صرفهم عن البلد الحرام. وقد عني أبرهة بزخرفة بيت اليمن غاية العناية، وجلب له من فاخر الأثاث ما خيل إليه معه أنه صارف العرب وصارف أهل مكة أنفسهم إليه. فلما رأى العرب لا تتجه إلا إلى البيت العتيق، ورأى أهل اليمن يدعون البيت الذي بني يعتبرون حجهم مقبولا إلا بمكة، لم يجد عامل النجاشي وسيلة إلا هدم بيت إبراهيم وإسماعيل. وتهيأ للحرب في جيش لجب من الحبشة تقدمه على فيل عظيم ركبه. وسمعت العرب بذلك. فخافت العاقبة، وعظم عليها أن يقدم رجل حبشي على هدم بيت حجهم ومقام أصنامهم. وهب رجل، كان من أشراف أهل اليمن وملوكها يدعى ذا نفر، فاستنفر قومه ومن أجاب من غيرهم من العرب لمقاتلة أبرهة وصده عما يريد من هدم بيت الله. لكنه لم يستطع أن يثبت لأبرهة بل هزم وأخذ أسيرا. وهزم كذلك نفيل بن حبيب الخثعمي حين جمع قومه من قبيلتي شهران وناهس وأخذ كذلك أسيرا، فأقام نفسه دليلا لأبرهة وجيشه، فلما نزل أبرهة الطائف كلمه أهلها بأن بيتهم ليس هو البيت الذي يريد، إنما هو بيت اللات، وبعثوا معه من يدلهم على مكة.

فلما اقترب أبرهة من مكة بعث رجلا من الجيش على فرسان له، فساق إليه أموال أهل تهامة من قريش وغيرهم وبينها مائة بعير لعبد المطلب بن هاشم. وهمت قريش ومن معهم من أهل مكة بقتاله، ثم رأوا أن لا طاقة لهم به، وبعث أبرهة رجلا من رجاله يدعى حناطة الحميري سأل عن سيد مكة، فذهبوا به إلى عبد المطلب بن هاشم، فأبلغه رسالة أبرهة إليه، أنه لم يأت لحرب وإنما جاء لهدم البيت؛ فإن لم تحاربه مكة فلا حاجة به لدماء أهلها. فلما ذكر له عبد المطلب أنهم لا يريدون حربا سار به حناطة ومع عبد المطلب بعض أبنائه وبعض كبراء مكة حتى بلغوا معسكر الجيش. وأكرم أبرهة وفادة عبد المطلب وأجابه إلى رد إبله إليه. لكنه أبى إباء تاما كل حديث في أمر الكعبة ورجوعه عن هدمها، ورفض ما عرض عليه وفد مكة من النزول له عن ثلث ثروة تهامة. وعاد عبد المطلب وقومه إلى مكة؛ فنصح للناس أن يخرجوا منها إلى شعاب الجبل خيفة أبرهة وجيشه حين يدخلون البلد الحرام لهدم البيت العتيق.

وكانت ليلة ليلاء تلك التي فكر فيها القوم في هجر بلدهم وما هو نازل به وبهم. ذهب عبد المطلب ومعه نفر من قريش فأخذ حلقة باب الكعبة وجعل يدعو ويدعون يستنصرون آلهتهم على هذا المعتدي على بيت الله. فلما انصرفوا وخلت مكة منهم وآن لأبرهة أن يوجه جيشه ليتم ما اعتزم فيهدم البيت ويعود أدراجه إلى اليمن، كان وباء الجدري قد تفشى بالجيش وبدأ يفتك به؛ وكان فتكه ذريعا لم يعهد من قبل قط. ولعل جراثيم الوباء جاءت مع الريح من ناحية البحر، وأصابت العدوى أبرهة نفسه، فأخذه الروع وأمر قومه بالعودة إلى اليمن. وفر الذين كانوا يدلون على الطريق ومات منهم من مات. وكان الوباء يزداد كل يوم شدة ورجال الجيش يموت منهم من يموت كل يوم بغير حساب. وبلغ أبرهة صنعاء وقد تناثر جسمه من المرض، فلم يقم إلا قليلا حتى لحق بمن مات من جيشه. وبذلك أرخ أهل مكة بعام الفيل هذا، وخلده القرآن بذكره:

ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل * ألم يجعل كيدهم في تضليل * وأرسل عليهم طيرا أبابيل * ترميهم بحجارة من سجيل * فجعلهم كعصف مأكول .

9

زاد هذا الحادث الفذ العجيب في مكانة مكة الدينية، وزاد تبعا لذلك في مكانتها التجارية، وزاد أهلها انصرافا عن التفكير في شيء غير الاحتفاظ بتلك المكانة الرفيعة الممتازة ومحاربة من يحاول الانتقاص منها أو الاعتداء عليها.

حياة محمد · الصفحة ٥١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

حياة محمدص ٥١