تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي الحق أن المسلمين كانوا من أمرهم في حيرة. فهم لم يلبثوا حين سمعوا أبا بكر وحين أيقنوا أن محمدا قد مات، أن تفرقوا، فانحاز حي من الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، واعتزل علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله في بيت فاطمة، وانحاز المهاجرون ومعهم أسيد بن حضير في بني عبد الأشهل إلى أبي بكر. وإن أبا بكر وعمر لكذلك إذ أتى آت ينبئهما بنبأ الأنصار الذين انحازوا إلى سعد بن عبادة، ثم يردف النبأ بقوله: فإن كان لكم بأمر الناس حاجة فأدركوا الناس قبل أن يتفاقم أمرهم، ورسول الله

صلى الله عليه وسلم

في بيته لم يفرغ من أمره قد أغلق دونه الباب أهله. قال عمر موجها حديثه إلى أبي بكر: انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار حتى ننظر ما هم عليه. وإنهم لفي طريقهم إذ لقيهم من الأنصار رجلان صالحان، فذكرا للمهاجرين ما تمالأ عليه القوم وسألاهم: أين يريدون؟ فلما علما أنهم يريدون الأنصار قالا: لا عليكم ألا تقربوهم؛ يا معشر المهاجرين اقضوا أمركم. قال عمر: والله لنأتينهم. وانطلقوا حتى نزلوا بهم في سقيفة بني ساعدة فإذا بين ظهرانيهم رجل مزمل. قال عمر بن الخطاب: من هذا؟ قالوا: سعد بن عبادة، به وجع. فلما جلس المهاجرون قام خطيب الأنصار فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام، وأنتم معشر المهاجرين رهط منا وقد دفت دافة من قومكم وإذا هم يريدون أن يحتازونا من أصلنا ويغصبونا الأمر.

وكانت هذه روح الأنصار أثناء حياة النبي، لذلك لم يكد عمر يسمع هذا الكلام حتى أراد أن يدفعه: فأمسك به أبو بكر مخافة شدته وقال: على رسلك يا عمر! ثم قال موجها كلامه للأنصار: «أيها الناس! نحن المهاجرين أول الناس إسلاما، وأكرمهم أحسابا، وأوسطهم دارا، وأحسنهم وجوها، وأكثرهم ولادة في العرب، وأمسهم رحما برسول الله: أسلمنا قبلكم، وقدمنا في القرآن عليكم، فقال تبارك وتعالى:

والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان .

3

فنحن المهاجرون وأنتم الأنصار؛ إخواننا في الدين وشركاؤنا في الفيء، وأنصارنا على العدو. وأما ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، وأنتم أجدر بالثناء من أهل الأرض جميعا. فأما العرب فلن تعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش. فمنا الأمراء ومنكم الوزراء.» هناك استشاط أحد الأنصار غضبا وقام فقال: «أنا جذيلها

4

المحكك، وعذيقها المرجب. منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش.» قال أبو بكر: بل منا الأمراء ومنكم الوزراء، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين، فبايعوا أيهما شئتم؛ وأخذ بيد عمر بن الخطاب وبيد أبي عبيدة بن الجراح وهو جالس بينهما. هنالك كثر اللغط وارتفعت الأصوات وخيف الاختلاف؛ فنادى عمر بصوته الجهوري: ابسط يدك يا أبا بكر. فبسط أبو بكر يده فبايعه وهو يقول: «ألم يأمرك النبي بأن تصلي أنت يا أبا بكر بالمسلمين؟! فأنت خليفته؛ ونحن نبايعك فنبايع خير من أحب رسول الله منا جميعا.» ومست هذه الكلمات قلوب الحاضرين من المسلمين أن كانت معبرة حقا عما ظهر من إرادة النبي حتى هذا اليوم الأخير الذي رآه الناس فيه، فقضى ذلك على ما بينهم من خلاف، وأقبلوا فبايع المهاجرون ثم بايع الأنصار.

وإذ كان الغد من ذلك اليوم، جلس أبو بكر على المنبر، وتقدم ابن الخطاب فتكلم قبل أبي بكر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «إني قد قلت لكم بالأمس مقالة ما كانت مما وجدتها في كتاب الله ولا كانت عهدا عهده إلي رسول الله، ولكني قد كنت أرى أن رسول الله سيدبر أمرنا ويبقى ليكون آخرنا. وإن الله قد أبقى فيكم كتابه الذي به هدى رسوله. فإن اعتصمتم به هداكم الله لما كان هداه له. وإن الله قد جمع أمركم على خيركم صاحب رسول الله

حياة محمد · الصفحة ٢٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

حياة محمدص ٢٣١