تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكيف يموت وقد كان معهم منذ ساعات يرونه ويسمعون إلى صوته الجهوري وإلى دعائه واستغفاره؟! وكيف يموت وهو خليل الله الذي اصطفى لتبليغ رسالته، وقد دانت له العرب كلها، وبقي أن يدين له كسرى وأن يدين له هرقل بالإسلام؟! وكيف يموت وهو هذه القوة التي هزت العالم مدى عشرين سنة متوالية، وأحدثت فيه أعنف ثورة روحية عرف التاريخ؟! لكن النساء هناك ما زلن يلتدمن ويضربن وجوههن علامة أنه مات.

ولكن عمر ها هنا في المسجد ما فتئ ينادي بأنه لم يمت، وبأنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، وبأن الذين يقولون بموته إنما هم المنافقون؛ هؤلاء المنافقون الذين سيضرب محمد أيديهم وأعناقهم بعد رجعته. أي الأمرين يصدق المسلمون؟ لقد أخذهم الفزع أول الأمر، ثم ما زالت بهم أقوال عمر تبعث إلى نفوسهم الأمل برجعة النبي حتى كادوا يصدقون أمانيهم، ويصورون منها لأنفسهم حقائق يكادون يستريحون إليها.

وإنهم لكذلك إذ أقبل أبو بكر آتيا من السنح وقد بلغه الخبر الفادح. وبصر بالمسلمين وبعمر يخطبهم، فلم يقف طويلا ولم يلتفت إلى شيء، بل قصد إلى بيت عائشة فاستأذن ليدخل، فقيل له: لا حاجة لأحد اليوم بإذن. فدخل فألفى النبي مسجى في ناحية من البيت عليه برد حبرة،

1

فأقبل حتى كشف عن وجهه ثم أقبل عليه يقبله وقال: ما أطيبك حيا وما أطيبك ميتا! ثم إنه أخذ رأس النبي بين يديه وحدق في معارف وجهه التي بقيت لم ينكرها عدوان الموت عليها، وقال: بأبي أنت وأمي! أما الموتة التي كتب الله عليك فقد ذقتها، ثم لن تصيبك بعدها موتة أبدا. ثم أعاد الرأس إلى الوسادة ورد البرد على وجهه وخرج وعمر ما يزال يكلم الناس ويقنعهم بأن محمدا لم يمت. وفسح الناس لأبي بكر طريقا. فلما دنا من عمر ناداه: على رسلك يا عمر! أنصت! لكن عمر أبى أن يسكت أو ينصت واستمر يتكلم. فأقبل أبو بكر على الناس وأشار إليهم بأنه يكلمهم. ومن كأبي بكر في هذا المقام؟! أليس هو الصديق صفي النبي ومن لو اتخذ خليلا لاتخذه خليلا؟!

لذلك أسرع الناس إلى تلبية دعوته وانصرفوا إليه عن عمر. فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس، إن من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات. ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. ثم تلا قوله تعالى:

وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين .

2

وكان عمر قد أنصت حين رأى انصراف الناس إلى أبي بكر، فلما سمع أبا بكر يتلو هذه الآية خر إلى الأرض ما تحمله رجلاه موقنا أن رسول الله قد مات. وأما الناس فقد أخذوا من قبل بأقوال عمر، حتى لقد ألفوا أنفسهم إذ سمعوا هذه الآية يتلوها أبو بكر وكأنهم لم يكونوا يعلمون أنها نزلت. وكذلك زايل القلوب كل شك في أن محمدا قد اختار جوار الرفيق الأعلى، وأن الله قد ضمه إليه.

أفكان عمر غاليا حين اقتنع بأن محمدا لم يمت، وحين دعا الناس إلى مثل اقتناعه؟ كلا! وإن العلماء ليحدثوننا اليوم بأن الشمس ستظل تتناثر على حقب الدهور حتى يجيء يوم تفنى فيه. أفيصدق أحد هذا الكلام من غير أن تساوره الشكوك في إمكانه؟ هذه الشمس التي ترسل من ضيائها ومن حرارتها ما يحيا العالم به، كيف تفنى وكيف تنطفئ ثم يبقى العالم بعدها يوما؟ ومحمد لم يكن أقل من الشمس ضياء، ولا حرارة، ولا قوة. وكما أن الشمس محسنة، فقد كان محمد محسنا. وكما أن الشمس تتصل بالكائنات كلها، فقد كان روح محمد متصل بالكائنات جميعا، وما زال ذكره

صلى الله عليه وسلم

يعطر الكون كله. فلا عجب إذا اقتنع عمر بأن محمدا لا يمكن أن يموت. وهو حقا لم يمت ولن يموت.

وكان أسامة بن زيد قد رأى النبي صباح ذلك اليوم حين خرج إلى المسجد، وظن كما ظن المسلمون جميعا أنه تعافى، فذهب ومن كان قد عاد إلى المدينة من الجيش المسافر إلى الشام ولحق بالمعسكر بالجرف، وأمر الجيش بالتجهز للمسير. وإنه لكذلك إذ لحق به الناعي نذيرا بوفاة النبي، فعاد أدراجه وأمر الجيش فرجع كله إلى المدينة؛ ثم ذهب هو فركز علمه عند باب عائشة، وانتظر ما سيكون من أمر المسلمين من بعد.

حياة محمد · الصفحة ٢٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

حياة محمدص ٢٣٠