تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صلى الله عليه وسلم

وثاني اثنين إذ هما في الغار، فقوموا فبايعوه.» فبايع الناس أبا بكر البيعة العامة بعد بيعة السقيفة.

وقام أبو بكر بعد أن تمت البيعة فألقى في الناس هذا الخطاب الذي يعتبر آية من آيات الحكمة وفصل الخطاب. قال - رضي الله عنه - بعد أن حمد الله وأثنى عليه: «أما بعد، أيها الناس، قد وليت عليكم ولست بخيركم. فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني. الصدق أمانة، والكذب خيانة. والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله. والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله. لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم الله بالبلاء. أطيعوني ما أطعت الله ورسوله. فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم. قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.»

وبينما المسلمون يختلفون ثم يتفقون على بيعة أبي بكر بيعة السقيفة ثم البيعة العامة، كان جثمان النبي حيث كان على سرير موته يحيط به الأقربون من أهله. فلما تمت البيعة لأبي بكر أقبل الناس على جهاز رسول الله كي يدفنوه. وقد اختلفوا فيما بينهم أين يدفن. قال جماعة من المهاجرين: يدفن في مكة مسقط رأسه وبين أهله. وقال غيرهم: بل يدفن في بيت المقدس حيث دفن الأنبياء قبله. وما أدري كيف قال أصحاب هذا الرأي، وبيت المقدس كان ما يزال بأيدي الروم، وكان بين الروم والمسلمين عداوة منذ مؤتة وتبوك حتى جهز رسول الله جيش أسامة للثأر. ولم يرض المسلمون هذا الرأي ولا هم رضوا أن يدفن النبي بمكة، ورأوا أن يدفن بالمدينة التي آوته ونصرته والتي استظلت قبل غيرها بلواء الإسلام. وتحدثوا أين يدفن؟ قال فريق منهم: يدفن بالمسجد حيث كان يخطب الناس ويعظهم ويصلي بهم؛ ورأى هؤلاء أن يدفن حيث يقوم المنبر أو إلى جانبه. لكن هذا الرأي لم يلبث أن رفض؛ لما روي عن عائشة أن النبي كان عليه رداء أسود حين اشتد وجعه، فكان يضعه مرة على وجهه ويكشفه عنه مرة وهو يقول: قاتل الله قوما اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد! ثم قضى أبو بكر بين الناس إذ قال: إني سمعت رسول الله

صلى الله عليه وسلم

يقول: ما قبض نبي إلا دفن حيث يقبض. ثم تقرر أن يحفر له مكان الفراش الذي قبض فوقه.

وتولى غسل النبي أهله الأقربون، وفي مقدمتهم علي بن أبي طالب والعباس بن عبد المطلب وولداه الفضل وقثم وأسامة بن زيد. وكان أسامة بن زيد وشقران مولى النبي هما اللذان يصبان الماء عليه وعلي يغسله وعليه قميصه؛ فقد أبوا أن ينزعوا عنه القميص. وكانوا أثناء ذلك يجدون به طيبا حتى كان علي يقول: بأبي أنت وأمي! ما أطيبك حيا وميتا! ويذهب بعض المستشرقين إلى أن هذه الرائحة الذكية ترجع إلى ما اعتاد النبي طوال حياته من التطيب حتى كان يرى الطيب بعض ما حبب إليه من هذه الحياة الدنيا. فلما فرغوا من غسله وعليه قميصه كفن في ثلاثة أثواب: ثوبين صحاريين

5

وبرد حبرة أدرج فيها إدراجا. ولما تم الجهاز على هذا النحو ترك الجثمان حيث كان، وفتحت الأبواب للمسلمين يدخلون من ناحية المسجد يطوفون، يلقون على نبيهم نظرة الوداع، ويصلون على النبي، ثم يخرجون وقد هوى الحزن بنفوسهم إلى قرار سحيق.

وامتلأت الحجرة حين دخل أبو بكر وعمر يصليان مع المسلمين لا يؤمهم في صلاتهم هذه أحد. فلما استوى الناس بالمكان وقد علاهم الصمت قال أبو بكر: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته. نشهد أن نبي الله ورسوله قد بلغ رسالة ربه وجاهد في سبيله حتى أتم الله النصر لدينه، وأنه وفى بوعده، وأمر ألا نعبد إلا الله وحده لا شريك له. وكان المسلمون يجيبون عند كل جملة من كلام أبي بكر في هيبة وخشوع: آمين آمين. فلما فرغ الرجال من صلاتهم وخرجوا أدخل النساء، ثم أدخل الصبيان من بعدهم. وهؤلاء وأولئك جميعا كل واجب قلبه محزون فؤاده يفري الأسى كبده لفراق رسول الله خاتم النبيين، وتساوره على دين الله أشد الخشية من بعده.

حياة محمد · الصفحة ٢٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

حياة محمدص ٢٣٢