لكن خروج النبي إلى المسجد لم يكن إلا الصحو الذي يسبق الموت. فقد كان يزداد بعد دخوله إلى البيت في كل لحظة ضعفا. وكان يرى الموت يدنو، ولم يبق لديه ريب في أنه لم يبق له في الحياة إلا سويعات. ترى ماذا عساه كان يشهد في هذه السويعات الباقية له على فراق الحياة؟ أفكان يستذكر حياته منذ بعثه الله هاديا ونبيا، وما لاقى فيها، وما أتم الله عليه من نعمته، وما شرح به صدره من فتح قلوب العرب لدين الحق؟ أم كان يقضيها مستغفرا ربه متوجها إليه بكل روحه على نحو ما كان يفعل كل حياته؟ أم كان يعاني هذه الساعات الأخيرة من آلام النزع ما لم يبق لديه قوة الاستذكار؟ تختلف الروايات في ذلك اختلافا كبيرا، وأكثرها على أنه دعا في هذا اليوم القائظ من أيام شبه الجزيرة، 8 يونيو سنة 632م، بإناء فيه ماء بارد كان يضع يده فيه ويمسح بمائه وجهه؟ وأن رجلا من آل أبي بكر دخل على عائشة وفي يده سواك، فنظر إليه محمد نظرا دل على أنه يريده، فأخذته عائشة من قريبها ومضغته له حتى لان وأعطته إياه فاستن به؛
5
وأنه وقد شق عليه النزع، توجه إلى الله يدعوه: اللهم أعني على سكرات الموت. قالت عائشة، وكان رأس النبي في هذه الساعة في حجرها: «وجدت رسول الله
صلى الله عليه وسلم
يثقل في حجري، فذهبت أنظر في وجهه فإذا بصره قد شخص وهو يقول: «بل الرفيق الأعلى من الجنة.» قلت: خيرت فاخترت والذي بعثك بالحق. وقبض رسول الله بين سحري
6
ونحري ودولتي لم أظلم فيه أحدا. فمن سفهي وحداثة سني أنه
صلى الله عليه وسلم
قبض وهو في حجري، ثم وضعت رأسه على وسادة وقمت ألتدم مع النساء وأضرب وجهي.»
أمات محمد حقا؟ ذلك ما اختلف العرب يومئذ فيه اختلافا كاد يثير بينهم الفتنة، وما تؤدي الفتة إليه من حرب أهلية، لولا أن أراد الله بهم وبدينه الحق الحنيف خيرا.
الفصل الحادي والثلاثون
| دفن الرسول
(اختلاف المسلمين هل مات محمد - عمر يخطب الناس بأنه لم يمت - أبو بكر يعود فيخطبهم بأنه مات ويتلو عليهم القرآن - اقتناع المسلمين بقول أبي بكر - خوف الاختلاف فيمن يقوم بأمر المسلمين - بيعة السقيفة، ثم البيعة العامة لأبي بكر - تجهيز النبي وغسله - مرور الناس به رجالا فنساء فصبيانا - دفنه حيث قبض - إنفاذ جيش أسامة إلى الشام وانتصاره - آخر ما قال الرسول) ***
اختار النبي الرفيق الأعلى في بيت عائشة ورأسه في حجرها، فوضعت رأسه على وسادة وقامت تلتدم وتضرب وجهها مع النساء اللاتي أسرعن إليها لأول ما بلغهن الخبر. وفوجئ المسلمون بالمسجد بهذه الضجة؛ لأنهم رأوا النبي في الصباح وكل شيء يدل على أنه عوفي، مما جعل أبا بكر يذهب إلى زوجه بنت خارجة بالسنح. لذلك أسرع عمر إلى حيث كان جثمان النبي وهو لا يصدق أنه مات. ذهب فكشف عن وجهه فألفاه لا حراك به: فحسبه في غيبوبة لا بد أن يفيق منها. وعبثا حاول المغيرة إقناعه بالحقيقة الأليمة؛ فقد ظل مؤمنا بأن محمدا لم يمت، فلما ألح المغيرة قال له: كذبت. وخرج معه إلى المسجد وهو يصيح: «إن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم
توفي؛ وإنه والله ما مات، ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران؛ فقد غاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع إليهم بعد أن قيل: قد مات. والله ليرجعن رسول الله كما رجع موسى، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم زعموا أنه مات.»
واستمع المسلمون بالمسجد إلى هذه الصيحات من جانب عمر يرسل الواحدة تلو الأخرى وهم في حالة أشبه شيء بالذهول، ألا إن كان محمد قد مات حقا فوا حر قلباه! ويا للهم الناصب لأولئك الذين رأوه وسمعوا له، وآمنوا بالله الذي بعثه بالهدى ودين الحق، هم يذهل القلب ويذهب باللب. وإن كان محمد قد ذهب إلى ربه، كما يقول عمر، فذلك أدعى للذهول؛ وانتظار أوبته حتى يرجع كما رجع موسى أشد إمعانا في العجب. لذلك أحاطت جموعهم بعمر وهم أدنى إلى تصديقه وإلى الإيمان بأن رسول الله لم يمت.