تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بينما كان علي يتأهب للعودة إلى مكة كان النبي يتجهز للحج ويأمر الناس بالتجهز له؛ ذلك أن أشهر السنة استدارت وأقبل ذو القعدة وأوشك أن يولي، ولم يكن النبي قد حج الحج الأكبر وإن يكن قد اعتمر فأدى الحج الأصغر قبل ذلك مرتين. وللحج مناسك يجب أن يكون عليه السلام قدوة المسلمين فيها. وما كاد الناس يعرفون ما صح عليه عزم النبي ودعوته إياهم للحج معه حتى انتشرت الدعوة في كل ناحية من شبه الجزيرة، وحتى أقبل الناس على المدينة ألوفا ألوفا من كل فج وحدب: من المدائن والبوادي، من الجبال والصحاري، من كل بقعة في هذه البلاد العربية المترامية الأطراف، التي استنارت كلها بنور الله ونور نبيه الكريم. وحول المدينة ضربت الخيام لمائة ألف أو يزيدون جاءوا تلبية لدعوة نبيهم رسول الله عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم. جاءوا إخوة متعارفين تجمع بينهم المودة الصادقة والأخوة الإسلامية، وكانوا إلى سنوات قبل ذلك أعداء متنافرين. وجعلت هذه الألوف المؤلفة تجوس خلال المدينة، وكل باسم الثغر، وضاح الطلعة، مشرق الجبين، يصف اجتماعهم انتصار الحق وانتشار نور الله انتشارا ربط بينهم وجعلهم جميعا كالبنيان المرصوص.

وفي الخامس والعشرين من ذي القعدة من السنة العاشرة للهجرة سار النبي وأخذ نساءه جميعا معه، كل في محفتها. سار وتبعه هذا الجمع الزاخر، يذكر طائفة من المؤرخين أنه كان تسعين ألفا، ويذكر آخرون أنه كان أربعة ومائة ألف. ساروا يحدوهم الإيمان وتملأ قلوبهم الغبطة الصادقة لسيرهم إلى بيت الله الحرام يؤدون عنده فريضة الحج الأكبر. فلما بلغوا ذا الحليفة نزلوا وأقاموا ليلتهم بها. فلما أصبحوا أحرم النبي وأحرم المسلمون معه، فلبس كل منهم إزاره ورداءه وصاروا ينتظمهم جميعا زي واحد هو أبسط ما يكون زيا، وقد حققوا بذلك المساواة بأسمى معانيها وأبلغها. وتوجه محمد بكل قلبه إلى ربه ونادى ملبيا والمسلمون من ورائه: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك. الحمد والنعمة والشكر لك لبيك. لبيك، لا شريك لك لبيك.» وتجاوبت الأودية والصحاري بهذا النداء تلبي كلها وتنادي بارئها مؤمنة عابدة. وانطلق الركب بألوفه وعشرات ألوفه يقطع الطريق بين مدينة الرسول ومدينة المسجد الحرام، وهو ينزل عند كل مسجد يؤدي فيه فرضه، وهو يرفع الصوت بالتلبية طاعة لله وشكرا لنعمته، وهو ينتظر يوم الحج الأكبر نافد الصبر مشوق القلب ممتلئ الفؤاد لبيت الله هوى ومحبة، وصحاري شبه الجزيرة وجبالها وأوديتها وزروعها النضرة في دهش مما تسمع وتتجاوب به أصداؤها مما لم تعرف قط قبل أن يباركها هذا النبي الأمي عبد الله ورسوله.

فلما بلغ القوم سرفا، وهي محلة في الطريق بين مكة والمدينة، قال محمد لأصحابه: من لم يكن منكم معه هدي فأحب أن يجعلها عمرة فليفعل، ومن كان معه هدي فلا.

وبلغ الحجيج مكة في اليوم الرابع من ذي الحجة، فأسرع النبي والمسلمون من بعده إلى الكعبة، فاستلم الحجر الأسود فقبله، وطاف بالبيت سبعا هرول في الثلاث الأولى منها على نحو ما فعل في عمرة القضاء. وبعد أن صلى عند مقام إبراهيم عاد فقبل الحجر الأسود كرة أخرى، ثم خرج من المسجد إلى ربوة الصفا، ثم سعى بين الصفا والمروة. ثم نادى محمد في الناس أن لا يبق على إحرامه من لا هدي معه ينحره. وتردد بعضهم، فغضب النبي لهذا التردد أشد الغضب وقال: ما آمركم به فافعلوا. ودخل قبته مغضبا. فسألته عائشة: ما أغضبك؟ فقال: وما لي لا أغضب وأنا آمر أمرا فلا يتبع؟! ودخل أحد أصحابه وما يزال غضبان، فقال: من أغضبك يا رسول الله أدخله الله النار. فكان جواب الرسول: أوما شعرت أني أمرت الناس بأمر فإذا هم يترددون؟! ولو أني استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي معي حتى أشتريه، ثم أحل كما حلوا. كذلك روى مسلم. فلما بلغ المسلمين غضب رسول الله حلل الألوف من الناس إحرامهم على أسف منهم، وحل نساء النبي وحلت ابنته فاطمة مع الناس، ولم يبق على إحرامه إلا من ساق الهدي معه.

حياة محمد · الصفحة ٢٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

حياة محمدص ٢٢١