وبينما المسلمون في حجهم أقبل علي عائدا من غزوته باليمن وقد أحرم للحج لما علم أن رسول الله حج بالناس. ودخل على فاطمة فوجدها قد حلت إحرامها. فسألها فذكرت له أن النبي أمرهم أن يحلوا بعمرة. فذهب إلى النبي فقص عليه أخبار سفرته باليمن. فلما أتم حديثه، قال له النبي: انطلق فطف بالبيت وحل كما حل أصحابك. قال علي: يا رسول الله، إني أهللت كما أهللت. قال النبي: ارجع فاحلل كما حل أصحابك. قال علي: يا رسول الله إني قلت حين أحرمت: اللهم إني أهل بما أهل به نبيك وعبدك ورسولك محمد. فسأله النبي: أمعه هدي؟ فلما نفى علي أشركه محمد في هديه، وثبت علي على إحرامه وأدى مناسك الحج الأكبر.
وفي الثامن من ذي الحجة يوم التروية ذهب محمد إلى منى، فأقام بخيامه فيها وصلى فروض يومه بها وقضى الليل حتى مطلع الفجر من يوم الحج، فصلى الفجر وركب ناقته القصواء حين بزغت الشمس ويمم بها جبل عرفات والناس من ورائه. فلما ارتقى الجبل أحاط به ألوف المسلمين يتبعونه في مسيرته، ومنهم الملبي ومنهم المكبر، وهو يسمع ذلك ولا ينكر على هؤلاء ولا على هؤلاء. وضربت للنبي قبة بنمرة، (قرية بشرق عرفات)، وكان ذلك بعض ما أمر به. فلما زاغت الشمس أمر بناقته القصواء فرحلت، ثم سار حتى أتى بطن الوادي من أرض عرنة، وهناك نادى في الناس وما يزال على ناقته بصوت جهوري كان يردده مع ذلك من بعده ربيعة بن أمية بن خلف وهو يقف بين عبارة وأخرى قائلا بعد أن حمد الله وأثنى عليه:
خطبة الرسول الجامعة
أيها الناس: اسمعوا قولي فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا.
أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا، وكحرمة شهركم هذا.
وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم وقد بلغت.
فمن كان عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها.
وإن كل ربا موضوع،
7
ولكن لكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون.
قضى الله أنه لا ربا، وأن ربا عباس بن عبد المطلب موضوع كله.
وأن كل دم كان في الجاهلية موضوع، وأن أول دمائكم أضع دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ...
أما بعد أيها الناس، فإن الشيطان قد يئس من أن يعبد بأرضكم هذه أبدا. ولكنه إن يطع فيما سوى ذلك فقد رضي به مما تحقرون من أعمالكم، فاحذروه على دينكم.
وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم، ثلاثة متوالية ورجب مفرد الذي بين جمادى وشعبان.
أما بعد، أيها الناس، فإن لكم على نسائكم حقا ولهن عليكم حقا، لكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، وعليهن ألا يأتين بفاحشة مبينة. فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تهجروهن في المضاجع وتضربوهن ضربا غير مبرح. فإن انتهين فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف. واستوصوا بالنساء خيرا فإنهن عندكم عوان
8
لا يملكن لأنفسهن شيئا. وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمات الله.
فاعقلوا أيها الناس قولي فإني قد بلغت، وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا أمرا بينا: كتاب الله وسنة رسوله.
أيها الناس، اسمعوا قولي واعقلوه. تعلمن أن كل مسلم أخ للمسلم، وأن المسلمين إخوة فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه، فلا تظلمن أنفسكم.
اللهم هل بلغت؟!
كان النبي يقول هذا وربيعة يردده من بعده مقطعا مقطعا، ويسأل الناس أثناء ذلك ليحتفظ بيقظة أذهانهم. فكان النبي يكلفه أن يسألهم مثلا: إن رسول الله يقول: هل تدرون أي يوم هذا؟ فيقولون: يوم الحج الأكبر. فيقول النبي: قل لهم إن الله قد حرم عليكم دماءكم وأموالكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا. فلما بلغ خاتمة كلامه وقال: اللهم هل بلغت؟ أجاب الناس من كل صوب: نعم. فقال: «اللهم اشهد.»