تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

6

والآيات التي نزلت في سورة براءة وتحدثت عن أهل الكتاب لم تتحدث عنهم في إيمانهم بالمسيح ابن مريم، وإنما تحدثت عنهم وعن شركهم بالله وفي أكلهم أموال الناس بالباطل وفي كنزهم الذهب والفضة. والإسلام يرى ذلك خروجا من أهل الكتاب على دين عيسى، يجعلهم يحلون ما حرم الله ويصنعون صنيع من لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر. وهو مع ذلك يجعل من إيمانهم بالله، على الرغم من ذلك كله، شفيعا لهم لا تجوز معه مساواتهم بالوثنيين، ويكفي معه، إن هم أصروا على أن يجعلوا الله ثالث ثلاثة وعلى أن يحلوا ما حرم الله، أن يدفعوا الجزية عن يد وهم صاغرون.

كانت هذه الدعوة التي أذن علي بها، يوم حج أبي بكر بالناس، آية إسلام الناس من أهل الجنوب في شبه الجزيرة ودخولهم في دين الله أفواجا. فقد توالت الوفود تترى على المدينة كما قدمنا من قبل، ومن بينها وفود من المشركين ووفود من أهل الكتاب. وكان النبي يكرم كل وافد عليه ويرد الأمراء مكرمين إلى إماراتهم. من ذلك ما سبق لنا ذكره في الفصل الماضي، ومنه أن الأشعث بن قيس قدم في وفد كندة في ثمانين راكبا، دخلوا المسجد على النبي وقد رجلوا لممهم وتكحلوا ولبسوا جبب الحبر بطنوها بالحرير، فلما رآهم النبي قال: ألم تسلموا؟ قالوا: بلى. قال: فما هذا الحرير في أعناقكم؟! فشقوه. وقال له الأشعث: يا رسول الله، نحن بنو آكل المرار وأنت ابن آكل المرار فتبسم النبي ونسب ذلك إلى العباس بن عبد المطلب وربيعة بن الحارث. وقدم وائل بن حجر الكندي مع الأشعث وكان أمير بلاد الشاطئ من حضرموت فأسلم، فأقره النبي على إمارته على أن يجمع العشر من أهل بلاده ليرده إلى جباة الرسول. وكلف النبي معاوية بن أبي سفيان أن يصحب وائلا إلى بلاده. وأبى وائل أن يردفه أو أن يعطيه نعليه يتقي بهما حمارة الغيظ مكتفيا بأن يدعه يسير في ظل بعيره. وقبل معاوية ذلك على مخالفته لما جاء به الإسلام من التسوية بين المسلمين ومن جعل المؤمنين إخوة، حرصا على إسلام وائل وقومه.

ولما انتشر الإسلام في ربوع اليمن، أوفد النبي معاذا إلى أهله يعلمهم ويفقههم وأوصاه قائلا: «يسر ولا تعسر. وبشر ولا تنفر. وإنك ستقوم على قوم من أهل الكتاب يسألونك: ما مفتاح الجنة؟ فقل: شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له.» وذهب معاذ ومعه طائفة من المسلمين الأولين ومن الجباة يعلمون الناس ويقضون بينهم بقضاء الله ورسوله. وبانتشار الإسلام في ربوع شبه الجزيرة من شرقها إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها، أصبحت أمة واحدة يظلها لواء واحد هو لواء محمد رسول الله

صلى الله عليه وسلم ، وتدين كلها بدين واحد هو الإسلام، وتتجه قلوبها جميعا إلى عبادة الله وحده لا شريك له؛ هذا بعد أن كانت إلى قبل عشرين سنة قبائل متنافرة، تشن إحداها الغارة على غيرها كلما وجدت في ذلك مغنما. وبانضوائها تحت لواء الإسلام طهرت من رجس الوثنية واستراحت إلى حكم الواحد القهار. وبذلك هدأت الخصومات بين أهلها؛ فلم يبق لغزو أو خصومة موضع، ولم يبق لأحد أن يستل سيفه من قرابه إلا أن يدافع عن وطنه أو يدفع المعتدي على دين الله.

على أن جماعة من نصارى نجران احتفظوا بدينهم، مخالفين في ذلك الأكثرين من قومهم بني الحارث الذين أسلموا من قبل. إلى هؤلاء وجه النبي خالد بن الوليد يدعوهم إلى الإسلام كي يسلموا من مهاجمته ولم يلبثوا حين نادى فيهم خالد أن أسلموا؛ فبعث خالد وفدا منهم إلى المدينة لقيه النبي فيها بالترحيب والمودة. ثم إن جماعة من أهل اليمن عز عليهم أن يخضعوا للواء الإسلام، لأن الإسلام ظهر بالحجاز، ولأن اليمن اعتادت أن تغزو الحجاز فلم يغزها الحجاز من قبل قط. إلى هؤلاء أرسل النبي علي بن أبي طالب يدعوهم إلى الإسلام. وقد استكبروا أول الأمر وقابلوا دعوة علي بمهاجمته؛ فلم يلبث علي أن شتتهم على صغر سنه وإن لم يكن معه إلا ثلاثمائة فارس. وارتد المنهزمون ينظمون من جديد صفوفهم. بيد أن عليا أحاط بهم وأوقع في صفوفهم الرعب ، فلم يجدوا من التسليم بدا، وسلموا وأسلموا وحسن إسلامهم، وأنصتوا إلى تعاليم معاذ وأصحابه، وكان وفدهم آخر وفد استقبله النبي بالمدينة قبل أن ينتقل إلى الرفيق الأعلى.

حياة محمد · الصفحة ٢٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

حياة محمدص ٢٢٠