وتقول منى: «بابا بيقولي إنك علمته يقول لا ...»
ويقول طه حسين: «لم أعلمه يقول لا عمال على بطال، يقول لا لما يلزم يقول لا ... تعالى.»
وتقول منى: «وتحكي لي حكاية؟»
ويرد طه حسين: «تعالى أحك لك حكاية أمير المؤمنين عمر.»
فتقول منى: «أنا لا أحب الأمراء.»
ويقول طه حسين: «سيدنا عمر لم يكن أميرا من الأمراء الذين لا تحبينهم، لقد كان أميرا للمؤمنين، يعني رئيسا للمسلمين، كان رجلا بسيطا يلبس ملابس بسيطة ويخرج بالليل ويمشي ليطمئن على أحوال الناس، وذات ليلة ...»
وتقطع حديث طه حسين لحفيدته سيدة إيطالية تقبل ملوحة بمجلة في يدها، وتقول في انفعال ظاهر: «إكسلانس، هل تسمح لي أن أتحدث إليك دون سابق معرفة ... هذه المجلة صدرت اليوم وفيها صورتك، مع تسع وتسعين صورة أخرى، إنهم المئة رجل الذين تقول المجلة في مقال بإمضاء «دونالد روبنسون» إنهم أعظم رجال الدنيا المعاصرين، عرفتك من الصورة، وقلت: إذن معنا في هذا الفندق في هذه القرية الإيطالية واحد من أعظم مئة رجل من الأحياء الذين يؤثرون في العالم، معذرة لتطفلي! ولكني قد اشتريت المجلة اليوم واطلعت عليها الآن ورأيتك تجلس في الحديقة ... أستأذن.»
ويقول طه حسين: «شكرا يا سيدتي، ثم يلتفت لأمينة ابنته ويسألها: أين حسن وأبوه؟»
وترد أمينة: «حسن مع أبيه يسيران في الجبل منذ الصباح. وعلى فكرة الأولاد فضحونا، مساء أمس تجولوا في الجبل وقطفوا ثمار التفاح من فوق الأشجار، لم يتصوروا أن تكون الجبال ملكا لأحد، حتى جاء الفلاح غاضبا فطاروا أمامه إلى الفندق ...»
وتدخل السيدة سوزان في خطوات نشطة تطلب إلى زوجها أن ينهض للسير للنزهة.
ويقول طه حسين: «لم أكمل القصة لمنى.»
وتقول سوزان: «هذا وقت النزهة، نكمل القصة لما نرجع، ثم إنني أريد أن أشتري مجلة معينة يقولون إن فيها شيئا يهمني.»
ويقول طه حسين: «كلام فارغ! دونالد روبنسون الكاتب الأمريكي الذي زار مصر أيام حريق القاهرة، أخرج كتابا عن مئة رجل من رجال العالم ويظهر أنه ذكرني.»
وتتساءل سوزان: «وكيف علمت ذلك؟! من أخبرك؟! فريد لم يكن معك هذا الصباح؛ إنه ذهب إلى البنك والبوستة، وأمينة لم تنزل من الغرفة إلا الآن، ومحمد في الجبل مع ابنه حسن، وسوسن ومنى لا تستطيعان القراءة بعد ... من أخبرك؟!»
ويرد طه حسين مبتسما ابتسامة ماكرة: «وهل تعتقدين أنك المرأة الجميلة الوحيدة في هذه الفندق التي تقرأ الصحف والمجلات؟»
ويصل فريد السكرتير حاملا الصحف المصرية والخطابات، يقول: «مجلة روزاليوسف نشرت بشكل بارز تصريحك الذي تقول فيه إن أساس التعليم الصالح هو اختيار الطالب للدراسة التي يرغب فيها. يوجد كذلك خطاب من لجنة وضع الدستور الجديد الذي اخترتم عضوا فيها، وخطاب من ...»
وتقاطعه السيدة سوزان بقولها: «سنقرأ هذا كله بعد النزهة، والجرائد والرسائل تستطيع أن تنتظر عودتنا.»
ويتساءل طه حسين: «منى، أين منى، كنت أحكي لها؟ وأين حسن وأبوه وسوسن؟ ألا ألقي نظرة على الصحف وأنا في انتظارهم؟»
وترد سوزان: «كلهم سيلحقون بنا، ومن جهة الصحف والرسائل فإننا سنكون في مصر بعد وقت قريب جدا، وسنجد هناك يوميا كل الصحف وكل الرسائل وكل التليفونات وكل الكتب وكل الزيارات وكل الاستقبالات ... الآن نمشي تحت هذه السماء الجميلة، وفي ظل هذه الأشجار الشامخة التي لن تحضر معنا إلى مصر.» •••
وتعطي الجرائد والرسائل للسكرتير وتقول: «احتفظ بها حتى نعود.»
في مصر، في منزل طه حسين بالزمالك، في غرفة المكتب وقد عادت أسرة طه حسين إلى مصر وعاد طه حسين إلى برنامجه اليومي، يقول السكرتير: «وصلنا خطاب باليد بإمضاء «سير كلود ماكنزي» يطلب موعدا للزيارة.»
ويسأل طه حسين: «ومن هو السير كلود ماكنزي؟»
ويقول السكرتير : «هذه نبذة مرفقة بخطابه عن تاريخ حياته: إنه خبير عالمي في شئون المكفوفين، وقد فقد هو نفسه بصره في الحرب العالمية الأولى، حرب سنة 1914، وهو الآن يزور عدة بلاد في أرجاء العالم، ويتوقف بمصر يومين فقط، ويسأل إن كان الوقت يتسع لزيارته.»