ويقول طه حسين: «يومين! إذن يحضر غدا الساعة الحادية عشرة إن كان هذا الموعد يوافقه.»
وفي اليوم التالي يخرج سير كلود ماكنزي من منزل العميد بعد انتهاء زيارته له وسيارته تنتظره وصحفيون ينتظرونه.
يقول سير كلود للصحفيين: «أعتقد أن مصر يجب أن تفخر بالدكتور طه حسين، فهو عبقرية فذة قل أن يجود الزمان بمثلها، إنني أغبطكم لأنكم تعيشون على الأرض التي أنجبت طه حسين، كما أغبط نفسي لأنني تعرفت إليه، وجلست معه هذا الوقت الطويل.»
ويقول له صحفي: «هل تخبرنا عن طبيعة عملك وعما تريد تحقيقه والوصول إليه؟»
ويرد سير كلود: «كل أملي في الدنيا هو أن يتمتع المكفوفون في العالم بحقوقهم كآدميين، فيجب أن يكون حب المجتمع لهم وعطفه عليهم هو النور الذي يهديهم سواء السبيل، من يدري؟ قد يكون بين هؤلاء المكفوفين هيلين كيلر أخرى أو طه حسين آخر.»
ويسأل صحفي آخر: «هل تحدثت مع الدكتور طه حسين عن عمله خارج ميدان التعليم والثقافة، فهو كما تعلم عضو في لجنة وضع الدستور الجديد؟»
ويرد سير كلود: «عرفت بالصدفة أنه معني بوضع المواد الخاصة بحقوق الإنسان في مشروع الدستور الجديد، دستور الثورة، وأنه يتعاون على صياغتها مع أحد أساتذة كلية الحقوق.
وهذا موضوع لا يهم العلماء ولا يهم المصريين فقط، لكنه يهم العالم كله، الناس جميعا في كل مكان يريدون أن تصان حقوق الإنسان، وأنا سعيد باهتمام طه حسين الشديد بهذا الموضوع.»
| في اللجنة الثقافية بجامعة الدول العربية
في مقر الجامعة العربية بالقاهرة، وفي غرفة ملحقة بغرفة مدير الإدارة الثقافية يجلس الدكتور محمد عوض محمد والأستاذ شفيق غربال والأستاذ محمد بدران والأستاذ محمد فتحي والدكتورة سهير القلماوي والأستاذ مصطفى حبيب.
يتحدث الحاضرون مع بعضهم، لقد دعاهم الدكتور طه حسين لمقابلته اليوم باعتباره رئيسا للجنة الثقافية لجامعة الدول العربية، وهو المنصب الذي طلب إليه عبد الخالق حسونة باشا الأمين العام للجامعة أن يتولاه.
يقول الدكتور محمد عوض للأستاذ محمد بدران: «ما دمت أنت قد دعيت لحضور هذا الاجتماع فلا بد أن الدكتور طه حسين سيحدثنا عن عمل من أعمال الترجمة.»
ويقطع السكرتير الحديث بدعوتهم للدخول، وطه حسين يرحب بهم، ويقول لهم إنه عندما عرض عليه حسونة باشا رياسة اللجنة الثقافية قبل مسرورا، لأن هذه اللجنة يمكن أن تكون أداة للعرب جميعا ليقوموا متعاونين بعمل عظيم الأثر في سعيهم نحو النهضة ونحو الوحدة، وإنه أراد أن يجتمع بزملائه الذين تفضلوا بالحضور اليوم ليبحث معهم مشروعا يفكر فيه، ويعتقد أن تنفيذه ممكن بتعاونهم وتعاون نظرائهم في البلاد العربية الأخرى كلها.
ويقول الدكتور عوض: «كنت أقول للأخ بدران لازم فيه ترجمة.»
ويقول الدكتور طه: «بالضبط، في عصر المأمون في بغداد كانت دار الحكمة تغص بالمترجمين إلى العربية من كل اللغات وفي كل العلوم، نحن سنكون أكثر تواضعا، نريد أن نترجم أهم الأعمال الأدبية العالمية، وأن نبدأ بترجمة أعمال شكسبير.»
يقول الدكتور عوض: «شكسبير! سنكون إذن سكسونيين!»
ويرد طه: «لا بد من إتاحة منابع الثقافة كلها لقراء العربية، وقد دعوتكم أولا لتبادل الرأي في المشروع نفسه، وفيمن يمكن أن يتعاون معكم من أدباء اللغة العربية في ترجمة الأعمال الكاملة لشكسبير، وقد كتبت فعلا إلى بعض الإخوة العرب مثل الأستاذ عبد الحق فاضل من أدباء ودبلوماسيي العراق، وغيره من الزملاء العرب، وأعتقد أن خير من يقدم هذه الأعمال مترجمة إلى اللغات العربية هو الأستاذ عباس محمود العقاد.»
ويقول الدكتور عوض: «هذا عمل عظيم يحتاج إلى جهد ضخم، وفقكم الله! واختياركم الأستاذ عباس محمود العقاد اختيار موفق جدا.»
ويستأنف الدكتور طه حسين حديثه فيقول: «وبعد شكسبير يأتي راسين.»