تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتدوي القاعة بالتصفيق، ويتقدم مؤنس لينزل معه والده من فوق المنصة.

وتجري مندوبة دولة شيلي نحو طه حسين تقول له: «سيدي الدكتور، سيدي الدكتور، أرجو أن تعطيني نسخة من هذا الدعاء، دعاء رسول الإسلام؛ لأنني أريد أن أعيش به، أن أعيش بهذا الدعاء، أدعو به كل ليلة، وأريد أن تحمل أنت إلى دينكم الإسلام، الذي حببتني فيه منذ اليوم، أن تحمل إليه حبي ودموعي.»

ويرد الدكتور طه: «حبك كفاية يا سيدتي، لا داعي للدموع ... سأطلب إلى مؤنس أن يعطيك نسخة من الدعاء، وشكرا جزيلا.»

ما زال التصفيق يدوي والمهنئون الآخرون يتزاحمون.

ويقول قنصل مصر العام لطه حسين: «رفعت رأس مصر يا سيدي ورأس العرب ورأس المسلمين، سأكتب لمصر فورا، وسيسعد مصر الجديدة أن تعرف ما جرى اليوم.»

ويقبل سينيور لابيرا، رئيس المؤتمر، على طه حسين ويقول للقنصل المصري: «معذرة يا سيدي القنصل، طه حسين عندكم في مصر طوال أيام السنة، اترك لي هذه اللحظة لأقول لطه حسين: إنك جعلت هذا اليوم خالدا في تاريخ مدينتي فلورنسا، لقد بشرت فيها بالعدالة أساسا للسلام وللتعاون، بشرت بها لشعوب البحر الأبيض، لجميع شعوب العالم، اليوم يدرك الجميع أنك وشعب مصر وشعوب العرب جميعا تنشدون العدالة أساسا للسلام، وتستحقون الوصول إلى العدالة للوصول إلى السلام.»

وعندما يحين موعد الانصراف تقول السيدة سوزان لزوجها وهما يخرجان: «هذا أنت تتفوق على نفسك.»

ويقول مؤنس: «وأنت ... أنت كنت تقول لنا إنك لم تكن تدري ماذا تقول؟!»

ويقول طه حسين: «حقيقة لم أكن أدري، لم أعد نفسي للكلام طوال الأسبوع كما قلت لكم، كنت أقرأ القرآن، ومع ذلك فإنني في الواقع راض عن نفسي وراض عن حديثي اليوم، وما تعودت أن أرضى عن نفسي أبدا، وما رضيت من قبل عن حديث ألقيته في أي وقت من الأوقات، ولكن كيف كانت اللغة، كيف كانت لغتي الفرنسية؟»

ويقول مؤنس مداعبا: «شنيعة ...»

وتقول سوزان: «ألا تكف عن هذه الأسئلة في هذه اللحظة المفعمة بالعزة والفخر؟ ألن ترضى عن نفسك أبدا؟ كانت لغتك طبعا كالعادة رائعة.»

ويقول طه حسين: «لقد قلت لك إنني راض عن نفسي اليوم، وهذا الدعاء ... لقد تلوته لنفسي قبل أن أنام أمس، ولكن تلاوتي لترجمته اليوم علنا كان لها تأثير غريب في نفسي، لقد حرك فيها شوقا قويا إلى زيارة أرض الحجاز، ومدينة الرسول.»

وتقول السيدة سوزان: «أما أنا فقد كنت أفكر في والدك، كنت أريد أن يسمعك أبوك، وكنت أريد أن تسمعك والدتك، كما كنت أريد أن تكون بنتك حاضرة.»

طه حسين :

أمينة في أمريكا مع زوجها، طال غيابها عنا، بنتهم الثانية ولدت هناك ولم نرها حتى الآن ... ترى ما هو شكل هذه المولودة الأمريكية، لقد سموها «منى»، ومحمد أخبرني أنهم في المستشفى طلبوا إليه اسما ثانيا على عادة الأمريكان فسماها باسم والدته: بديعة، وكنت أنا أفضل اسم «آمنة» والدة الرسول

صلى الله عليه وسلم

على اسم «منى».

سوزان :

سنراها ونراهم أخيرا، كتبت إلي أمينة أنهم سيحضرون لزيارتنا في الجبل في إيطاليا، في الصيف القادم في طريقهم لقضاء الإجازة بمصر. •••

في صيف العام التالي، يلتقي طه حسين وزوجه بابنتهما أمينة وزوجها وأولادهما الثلاثة في قرية من قرى شمال إيطاليا اسمها «كولي إيزاركو»، وطه حسين يجلس في حديقة الفندق في الصباح عندما تقبل عليه حفيدته. «سوسن» بنت ابنته المولودة في الإسكندرية، وعمرها الآن ثلاث سنوات، تلقي بنفسها بين ذراعيه، وتقول له: «أنا اللمبة ... اللمبة جاءت لك.»

ويعانقها طه حسين ويقول لها: «تعالي إذن يا نور حياتي ... ويجلسها على حجره.»

وتحضر أمينة ابنته، ومعها طفلتها الثانية «منى» وعمرها سنتان.

فيقول طه حسين: «تعالي يا منى.»

وترد منى قائلة: «لا ...»

ويسأل طه حسين: «ليه لا!»

ما بعد الأيام · الصفحة ٩٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ما بعد الأيامص ٩٦